هاملت .. وما ادراك ما هاملت
عباس الحسيني
تُعدّ مسرحية هاملت، التي كتبها ويليام شكسبير حوالي عام ١٦٠٠، واحدة من أقوى وأكثر المآسي تأثيراً في الأدب العالمي. تدور أحداثها حول القتل والانتقام والجنون والحب والخيانة، والصعوبة البالغة في معرفة الحقيقة. ومع ذلك، لا تكمن عظمتها في حبكتها الدرامية فحسب، بل في عقل بطلها المضطرب. فهاملت ليس أميراً يسعى للانتقام فحسب، بل هو شابٌّ متأملٌ، مجروحٌ، وذكيٌّ يحاول فهم الموت والأخلاق والظلام الكامن وراء المظهر الخارجي للحياة البشرية.
تبدأ المسرحية في مملكة الدنمارك الباردة والمظلمة. يعود الأمير هاملت إلى وطنه بعد وفاة والده الملك المفاجئة. ويزداد حزنه عمقاً عندما تتزوج والدته، الملكة جيرترود، على عجل من عمه كلوديوس، الذي اعتلى العرش. يشعر هاملت أن هذا الزواج خيانةٌ للحب والذكرى معاً. قد يظل البلاط الملكي يعجّ بالطقوس والموسيقى والأحاديث المهذبة، لكن هاملت يشعر بأن ثمة خللاً عميقاً. مقولته الشهيرة “هناك فساد في مملكة الدنمارك” لا تنطبق على المملكة فحسب، بل على العالم الأخلاقي المحيط به أيضاً.
يبدأ اللغز عندما يظهر شبح والد هاملت ويكشف أنه قُتل على يد كلوديوس الذي سكب السم في أذنه أثناء نومه. يأمر الشبح هاملت بالانتقام لموته. منذ تلك اللحظة، تصبح حياة هاملت صراعاً بين الفعل والفكر. إنه يريد العدالة، لكنه يخشى ارتكاب فعل شنيع دون دليل قاطع. على عكس بطل الانتقام التقليدي، لا يستطيع هاملت ببساطة أن يسحب سيفه ويقتل. إنه يستجوب الشبح، ويشك في حكمه، ويفحص ضميره، ويتأمل في العواقب الروحية للانتقام. تردده ليس مجرد ضعف، بل ينبع من ذكاء وقلق أخلاقي وحزن وإدراك عميق بأن فعلاً عنيفاً واحداً قد يؤدي إلى أفعال أخرى.
ليكتشف هاملت ما إذا كان كلوديوس مذنبًا حقًا، يتظاهر بالجنون ويُرتّب لمجموعة من الممثلين تمثيل مشهد يُحاكي جريمة قتل والده. عندما يُبدي كلوديوس خوفًا واضحًا ويغادر العرض، يعتقد هاملت أنه وجد الدليل الذي يحتاجه. مع ذلك، يستمر في المماطلة. يجده يُصلي، لكنه يختار عدم قتله، خوفًا من أن الموت أثناء الصلاة قد يُدخل الملك المذنب الجنة. في هذا العالم المليء بالشكوك، تُصبح كل فرصة سؤالًا جديدًا، وكل قرار يحمل عواقب لا يستطيع هاملت السيطرة عليها تمامًا.
تزداد المأساة ألمًا من خلال علاقات هاملت مع أقرب الناس إليه. أوفيليا، ابنة بولونيوس الرقيقة، تُحب هاملت، لكنها تقع في فخ مشاعرها وطاعتها لوالدها. هاملت، الذي استبدّ به الشك والغضب، يُبعدها عنه بكلمات قاسية. تكشف معاملته لها عن مدى عمق الضرر الذي ألحقه حزنه بقدرته على الثقة والحب. بعد أن يقتل هاملت بولونيوس عن طريق الخطأ، تفقد أوفيليا والدها والرجل الذي تُحبه. يُعدّ انحدارها إلى الجنون من أكثر أجزاء المسرحية إيلامًا. على عكس هاملت، الذي يتخذ من الجنون استراتيجيةً، فإن أوفيليا مُحطّمةٌ حقًا بفعل الحزن. تُعبّر أغانيها وكلامها المُتقطّع عن مشاعر لا تستطيع لغة البلاط الرسمية احتواءها.
يُقدّم ليرتيس، شقيق أوفيليا، تناقضًا صارخًا مع هاملت. فعندما يُقتل والده، يُطالب ليرتيس بالانتقام فورًا. يتصرّف بسرعةٍ وعاطفةٍ يبدو أن هاملت عاجزٌ عن بلوغها. مع ذلك، لا يُصوّر شكسبير التصرّف السريع على أنه الأفضل أخلاقيًا. يسهل التلاعب بليرتيس من قِبل كلاوديوس، ويُجرّ إلى مؤامرةٍ مميتة. من خلال هاملت وليرتيس، تُظهر المسرحية خطر التردد والتصرّف غير المنضبط. يُفكّر أحدهما حتى تُصبح فرصة تحقيق العدالة شبه مستحيلة، بينما يتصرّف الآخر قبل أن يُدرك الحقيقة كاملةً.
كلاوديوس أيضًا ليس مجرّد شريرٍ عادي. فهو طموحٌ وقاتل، لكنه ليس عديم الضمير. يدرك هاملت فظاعة ما فعله، ومحاولاته الخفية للصلاة تكشف عن رجل أسير لمكافآت جريمته. إنه يريد المغفرة، لكنه يرفض التخلي عن التاج والملكة اللذين نالهما بالقتل. شعوره بالذنب يجعله إنسانًا بشكلٍ مثير للقلق. أما جيرترود، فتبقى واحدة من أكثر شخصيات المسرحية غموضًا. زواجها السريع يجرح هاملت جرحًا عميقًا، ومع ذلك لا يوضح لنا شكسبير أبدًا مدى معرفتها بوفاة زوجها الأول. ربما تكون ضعيفة أخلاقيًا، أو معتمدة عاطفيًا، أو ببساطة غير مدركة للشر المحيط بها.