الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرب الكر و الفر

بواسطة azzaman

حرب الكر و الفر

محمد جواد الميالي

 

لم تكن المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران، سوى استراحة قصيرة في حرب لم تتوقف أصلا، فسرعان ما عادت السماء لتتلبد بالصواريخ والطائرات، ليعود الصراع الأمريكي الإيراني.

بعد أشهر من الاستنزاف، لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية، أن تحقق نصرا استراتيجيا يجبر إيران على الرضوخ، كما لم تتمكن طهران من إخراج واشنطن من معادلة الخليج، لتتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى صراع إرادات، يحاول فيه كل طرف إنهاء الآخر للوصول إلى المعادلة الصفرية، حيث كل طرف يريد إنهاء الآخر.

ما يجري اليوم يختلف عن الجولات السابقة، واشنطن لم تعد تبحث عن مجرد ردع إيران أو تقليص نفوذها، بل يبدو أنها تسعى إلى إعادة تشكيل الخارطة الأمنية في الخليج، عبر فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، لأن من يملك قرار المضيق لا يتحكم فقط بتدفق النفط، بل يمتلك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله، لذلك فإن الاستراتيجية الأمريكية، إذا ما استمرت وفق مسارها الحالي، قد تقوم على ثلاث مراحل متتابعة.. تبدأ برفع وتيرة القصف إلى مستويات غير مسبوقة بهدف إنهاك القدرات الدفاعية الإيرانية، ثم الانتقال إلى قطع خطوط الدعم اللوجستي وتدمير البنى التي تضمن استمرار العمليات العسكرية، قبل التوجه نحو استهداف القواعد العسكرية المنتشرة على السواحل المحاذية للمضيق، وعزل الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، تمهيدا لفرض أمر واقع يجعل السيطرة على حركة الملاحة بيد ترامب وحلفائه.

ان السيطرة العسكرية ليست هي العقدة الحقيقية، بل الاقتصادية والسياسية، فالرئيس الأمريكي أعلن عن رغبته في فرض رسوم تصل إلى 20% تحت عنوان "تكلفة حماية" على السفن التجارية، وهو تصريح يكشف أن واشنطن لا تنظر إلى المضيق بوصفه ملف أمني فقط، بل باعتباره موردا اقتصاديا، ونقطة ارتكاز لإعادة صياغة النفوذ في المنطقة.

لكن هل يمكن لحلفاء الولايات المتحدة، الذين يعتمدون على المضيق لتصدير واستيراد الطاقة والبضائع، أن يقبلوا بدفع فاتورة حماية بهذا الحجم؟ أم أن واشنطن، وهي تحاول إخضاع إيران، قد تجد نفسها في مواجهة مصالح شركائها قبل خصومها؟

لا تبدو إيران قادرة على خوض معركة بحرية تقليدية، تعرف مسبقا أنها تميل لصالح القوة الأمريكية، لذلك ستعود إلى العقيدة التي أتقنتها طوال العقود الماضية، وهي تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عبء استراتيجي، فكل قاعدة بحرية ستقابلها طائرات مسيّرة، وكل قطعة بحرية ستواجه بزوارق سريعة، صواريخ ساحلية وألغام بحرية، وكل محاولة لفرض الأمن ستُقابل برفع كلفة هذا الأمن إلى الحد الذي يجعل الانتصار العسكري بلا قيمة سياسية، إنها معادلة استنزاف تقوم على إقناع الخصم، بأن البقاء في ساحة المعركة أكثر كلفة من الإنسحاب منها.

لكن ماذا لو فشلت الولايات المتحدة في فرض السيطرة على المضيق، وإجبار إيران على القبول بالشروط الجديدة؟ هل ستستمر في حرب الاستنزاف، أم ستبحث عن خيارات أكثر خطورة؟

توجد مؤشرات مؤكدة على نية استخدام سلاح نووي تكتيكي، رغم أن الإقدام على مثل هذه الخطوة، سيحمل مخاطر هائلة، قد تؤدي إلى تصعيد لا يمكن احتواؤه، لكنها تعكس حجم المخاطر التي قد تبلغها الأزمة، إذا استمر التصعيد وفشلت الوسائل التقليدية في تحقيق أهدافها.

مقابل ذلك فإن موسكو تتابع هذا المشهد بدقة، لأنها تدرك أن أي انشغال أمريكي طويل في الخليج، يمنحها هامشا أوسع للحركة في الساحة الأوروبية، إلا أن افتراض بأن روسيا ستلجأ تلقائيا إلى استخدام السلاح النووي في أوكرانيا، إذا وقع تصعيد نووي في الشرق الأوسط، يبقى مجرد افتراض قابل للتحقيق.. لأن مثل هذا القرار يرتبط بحسابات الردع العالمية وليس بمجرد تطور منفرد.

إذا نجحت واشنطن في فرض سيطرتها على هرمز، فإنها ستعيد رسم ميزان القوى في الخليج لعقود مقبلة، أما إذا تمكنت إيران من إفشال هذا المشروع، ومنع فرض السيطرة الكاملة، فإنها لن تكون قد حققت انتصار عسكري بالمعنى التقليدي، لكنها ستكون قد أثبتت أن القوة العظمى في العالم.. عاجزة عن فرض إرادتها على احد أهم الممرات البحرية في العالم.

بين هذه الاحتمالات، تقف المنطقة بأسرها على حافة مرحلة جديدة، لا يكون عنوانها الحرب الأمريكية الإيرانية، بل المعركة على شكل النظام الدولي القادم، حيث لم يعد السؤال من يطلق النار أولا، بل من يملك القدرة على إعادة كتابة قواعد القوة، فيما يظل السلام هو الغائب الأكبر عن القرن الحادي والعشرين.


مشاهدات 14
الكاتب محمد جواد الميالي
أضيف 2026/07/15 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/07/16 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 16498 الكلي 15921625
الوقت الآن
الخميس 2026/7/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير