الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يستطيع العراق أن يكون جسراً لا ساحة صراع؟

بواسطة azzaman

في السياسة الخارجية (4/6)

هل يستطيع العراق أن يكون جسراً لا ساحة صراع؟

سامي العسكري

 

هل كُتب على العراق، بحكم موقعه الجغرافي، أن يبقى ساحةً لصراعات الآخرين؟ أم أن هذا الموقع نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة يمنحه دوراً مختلفاً في المنطقة والعالم؟

لقد اعتاد كثيرون النظر إلى الجغرافيا العراقية باعتبارها سبباً دائماً للأزمات، لأنها وضعت العراق في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. لكن الجغرافيا لا تفرض مصيراً واحداً على الدول؛ فهي قد تكون مصدر ضعف إذا أسيء التعامل معها، وقد تتحول إلى مصدر قوة إذا أُحسن استثمارها.

طرق برية

إن العراق لا يتوسط منطقة شديدة الحساسية سياسياً فحسب، بل يحتل أيضاً موقعاً يؤهله ليكون أحد أهم الممرات التي تربط الشرق بالغرب. فهو يمثل أحد أقصر الطرق البرية للتجارة الدولية بين الخليج وآسيا وأوروبا، وهو ما يمنحه فرصة ليكون مركزاً للنقل والخدمات اللوجستية والتبادل التجاري. ومن هنا تكتسب المشاريع الاستراتيجية، مثل ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية، أهمية تتجاوز أبعادها الاقتصادية، لأنها تمنح العراق فرصة لتحويل موقعه الجغرافي إلى عنصر قوة في سياسته الخارجية، وتجعل استقراره مصلحة مشتركة لدول المنطقة وشركائه الدوليين. فالجسور الحقيقية لا تُبنى بالسياسة وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالموانئ، والطرق، والسكك الحديدية، وشبكات الطاقة، والتجارة.

لكن الحديث عن العراق بوصفه «جسراً» لا يعني الوقوف في منتصف الطريق بين الجميع، ولا يعني الحياد السلبي أو محاولة إرضاء جميع الأطراف. فالجسر ليس دولة بلا موقف، وإنما دولة تعرف مصالحها الوطنية، وتحافظ على استقلال قرارها، وتبني علاقاتها الخارجية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتسعى إلى تخفيف التوترات كلما كان ذلك منسجماً مع مصالحها ومصالح المنطقة.ولكي يؤدي العراق هذا الدور، لا يكفي أن يمتلك موقعاً جغرافياً متميزاً، بل يحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات الوطيدة مع مختلف دول العالم، وإلى أن يحافظ على قدرته على التواصل مع الأطراف المتنافسة من دون أن يصبح جزءاً من صراعاتها. فالدولة التي تنحاز كلياً إلى أحد المحاور تفقد قدرتها على مخاطبة المحاور الأخرى، وتتحول من جسر بين الأطراف إلى طرف في النزاع. وهذا لا يعني التخلي عن المبادئ أو التفريط بالمصالح الوطنية، وإنما يعني أن تكون المصلحة العراقية هي المعيار الذي يحكم المواقف والعلاقات، لا حسابات المحاور والاستقطابات. كما لا يعني أن يتصدى العراق للوساطة في كل أزمة، وإنما أن يبني من العلاقات والثقة ما يجعله قادراً، عندما تقتضي الظروف، على الإسهام في تقريب وجهات النظر. ولكي يكون العراق جسراً بين الآخرين، ينبغي أولاً ألا يصبح جسراً تعبر عليه صراعاتهم.

غير أن نجاح هذه الرؤية لا يتحقق بالرغبات وحدها، بل يحتاج إلى مقومات واضحة.

خطاب رسمي

وفي مقدمتها وجود رؤية وطنية مستقرة للسياسة الخارجية، تنطلق من المصالح العليا للعراق وتستمر مع تغير الحكومات. كما يحتاج إلى وحدة الخطاب الرسمي للدولة، بحيث يكون التعبير عن السياسة الخارجية من خلال المؤسسات الدستورية المختصة، مع التمييز الواضح بين مواقف الدولة ومواقف الأحزاب والقوى السياسية. فالتعددية السياسية تمثل أحد مظاهر النظام الديمقراطي، أما تعدد الخطاب الرسمي فيضعف ثقة الشركاء بالعراق ويحد من فاعلية دبلوماسيته.

ويحتاج العراق كذلك إلى مؤسسات دبلوماسية مهنية تمتلك القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وإلى اقتصاد قوي يمنحه أوراق قوة في علاقاته الخارجية، وإلى استقرار أمني وسيادة كاملة على قراره الوطني، حتى يتمكن من أداء هذا الدور بثقة واستقلال.

إن مستقبل العراق لن تحدده الجغرافيا وحدها، وإنما الطريقة التي يدير بها هذه الجغرافيا. فموقع العراق في قلب الشرق ليس لعنة جغرافية، بل هبة أحسن الله بها إلى هذا البلد. وإذا أحسن العراق استثمار هذه الهبة، ووحد خطابه الرسمي، وبنى علاقاته على أساس المصالح المشتركة، واستثمر موقعه ليكون جسراً للتجارة والتواصل بين الشرق والغرب، فسوف يستطيع أن يحول الجغرافيا من عبء إلى فرصة، وأن ينتقل من ساحة تتصارع فوقها القوى المختلفة إلى جسر يربط بينها، بما يعزز أمنه، ويخدم مصالحه الوطنية، ويرسخ مكانته الإقليمية والدولية.

 كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 

 


مشاهدات 34
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/07/14 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/07/15 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 15289 الكلي 15920416
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير