ملا عليوي يبكي.. في ذكرى رحيل علي الوردي تنهض الحكاية من رمادها
ياس خضير البياتي
كان علي الوردي بالنسبة لي أكثر من أستاذٍ جامعي، وأكثر من اسمٍ يتردد في الكتب والمحاضرات؛ كان بوابةً دخلتُ منها إلى عالمٍ لم أكن أعرف أنني سأظلّ أعيش فيه حتى اليوم. وحين أستعيد ذكراه في يوم رحيله، أشعر أن الزمن يعود بي إلى تلك القاعة التي دخلها أول مرة، كأن دخوله كان حدثًا كونيًا صغيرًا، اهتزّ له شيءٌ في داخلي لم أستطع أن أسمّيه.
دخل الوردي القاعة بخطواتٍ قصيرة، تحملها حقيبةٌ كبيرة تميل بجسده جهة واحدة، كأنها تحمل أثقال كتبه وأفكاره وشيئًا من همومه.
كانت نظارته الحمراء الداكنة تخفي عينيه، وتمنحه هيئةً لا تشبه أحدًا، هيئة رجلٍ خرج من زمنٍ آخر ليقول لنا شيئًا لم نقله لأنفسنا بعد.
يومها شعرتُ أنني أمام امتحانٍ روحيّ، امتحانٍ لا علاقة له بالمنهج ولا بالمحاضرة، بل بي أنا، وبما كنتُ أبحث عنه دون أن أعرفه.
محاضرة ثانية
كانت محاضراته مسرحًا شعبيًا كاملًا؛ صوته يعلو، يهبط، يلتفّ، يضحك، يروي، يتهكم، كأن العلم عنده لا يُقدَّم إلا إذا كان حيًّا، نابضًا، قادرًا على أن يرقص أمام الطلبة. وفي المحاضرة الثانية، اشتعل النقاش. بدأه القاص زهير غانم بنقدٍ جريء، فشجّعني ذلك لأتحدث عن اللاشعور، مستندًا إلى كتابه خوارق اللاشعور.
بدا الوردي مصدومًا، كأننا نطرق بابًا لم يتوقع أن نصل إليه، حتى ظنّ أننا مُرسَلون من الدولة لاستفزازه.
ثم فجأة، وكأنه ممثلٌ على خشبةٍ واسعة، نزل من المنصة وبدأ يرقص الباليه وهو يتحدث عن البداوة والحضر.
كانت ضحكات الطلبة تتدحرج إلى الطابق السفلي، وكنتُ أضحك بصوتٍ مرتفع، فالتفت إليّ وسألني عن اسمي، ثم وضع إشارة في دفتر الحضور، وظلّ ينطق اسمي خطأً كل مرة؛ ياسر ، الياس، ياسين، كأنه يختبر صبري أو يختبر شيئًا في داخلي لا يعرفه أحدٌ غيري.
ومع مرور الوقت، صار الوردي جزءًا من يومي، من أسئلتي، من مشاكساتي الفكرية.
كنتُ أذهب إلى مكتبه، إلى بيته، إلى تلك المساحات التي يكشف فيها الإنسان عن وجهه الحقيقي بعيدًا عن المنصة.
وحين عرف أننا – أنا وزهير – ليس لنا انتماء حزبي في ذلك الوقت ، صار أكثر قربًا، أكثر صدقًا، أكثر جرأة في كشف ما يراه.
قال لي مرةً، بصوتٍ يشبه الحكمة التي تأتي من قلبٍ موجوع: «أنت شاب نظيف ومثقف… ابتعد عن هذه الأحزاب المريضة، فستكون وبالًا على العراق.» وكان إذا انتُقد، يبتسم ويقول: «يشبه السمچ… مأكول ومذموم!»
مرت السنوات، وتفرقت الطرق، لكنني التقيته في بودابست، ثم في وارسو منتصف الثمانينيات.
كان ذلك آخر لقاء بيني وبين الرجل الذي وُلد في الكاظمية عام 1913، وسط أسرةٍ تقطر ماء الورد، وعاش حياةً صاخبة بالفكر والجدل، وحورب في حياته، ومات مهمومًا في 13 تموز 1995، لكنه لم يمت في الذاكرة، ولم يمت في العراق الذي كتب عنه حتى آخر نبضةٍ في قلبه.
كان الوردي يرى العراق في كتبه كما لا يراه أحد؛ يراه بلدًا يشبه امرأةً ثرية اسمها «غنية»، يتهافت الجميع على الزواج بها لا حبًّا، بل طمعًا بثرواتها.
وكان يرى أن العراق سيتقلب بين المد والجزر حتى يصبح بلد العشائر والطوائف والقوميات المتناحرة. وكم تمنيت لو بقي حيًّا، ليشهد شخصياته وقد خرجت من كتبه إلى الشوارع؛ ليرى «غنية» وقد اغتُصبت وسُرقت مجوهراتها، وليرى «ملا عليوي» وهو ينوء تحت حزنٍ مزمن، أضناه داء الطائفية وورم العشائرية وتضخم الازدواجية وتلوّن المنافقين وانتفاخ كوليسترول الانتهازية.
رحيل الوردي
في ذكرى رحيله، أشعر أن ملا عليوي – تلك الشخصية التي رسمها الوردي بمهارةٍ لا تُنسى – يقف على باب العراق، يبكي كما لم يبكِ من قبل، كأن رحيل الوردي تركه وحيدًا في مواجهة زمنٍ لم يعد يشبه زمنه.
كأن ملا عليوي خرج من الورق ليشهد الخراب، وليقول لنا إن الوردي لم يكن يكتب عن الماضي، بل كان يكتب عن مستقبلٍ كنا نركض إليه دون أن نعرفه.
أما ذكرياتي معه، فهي جزءٌ من سيرةٍ شخصية، لكنها أيضًا جزءٌ من سيرة العراق نفسه… العراق الذي أحبّه الوردي، ووجعه، وكتب عنه حتى آخر نبضةٍ في قلبه.
رحل علي الوردي، لكن صوته لم يرحل. بقي في الكتب، في النقاشات، في الذاكرة، في تلك اللحظة التي دخل فيها القاعة لأول مرة، فغيّر شيئًا في داخلي لم أستطع أن أستعيده أو أن أنساه. بقي كأنّه فصلٌ من حياتي، وكأن حياتي فصلٌ صغير من روايته الكبرى… رواية العراق.