الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما لا يمكن للذكاء الإصطناعي فعله

بواسطة azzaman

أذن وعين

ما لا يمكن للذكاء الإصطناعي فعله

عبد اللطيف السعدون

 

نحمد الله، نحن جيل الخمسينيات والستينيات، أن امتد بنا العمر لنتعرف الى ما لم نكن نتوقع ولادته أو أن نحلم به، ,هو ما أطلقوا عليه «الذكاء الاصطناعي»، وقد أصبحنا مبهورين به، وبما يقدمه لنا مما كنا نصفها، إلى عهد قريب، عجائب وغرائب الزمان، إذ يجيب على أسئلتنا في ثوانٍ معدودات، ويكتب لنا سرديات ونصوصا إذا ما طلبنا منه ذلك، وعلى وفق ما تريده أذواقنا، كل ذلك بسلاسة لافتة، أما أولادنا وأحفادنا ممن امتلكوا زمام التكنولوجيا الحديثة فإنهم، من دون شك، قادرون على الافادة منه بأكثر منا، وهو يتفاعل معهم أكثر مما يتفاعل معنا لسبب بسيط هو أنه نتاج عصرهم الذي نحيا فيه، نحن كبار السن، متطفلين وعاجزين عن فهم أسراره

وقد يفكر امرؤ مثلنا عاش عقودا عريضة من الزمن، وعرف الصحيفة والراديو والتلفزيون، ثم التلفزيون الملون والهاتف النقال، كما عرف غوغل وأشباهه، أن «الذكاء الاصطناعي» ليس سوى جامع بيانات، يمكنه معالجتها وإعادة إنتاجها على نحو أو آخر، لكنه لا يملك ما يملكه الإنسان المتمتع بميزة العقل الذي وهبه الله له، لكن هذا لا يعني قطعا التغاضي عن مجالات يقترب فيها من العقل البشري أكثر فأكثر، كما لا يعني أن هناك زمنا آخر قادما قد يشهد عجائب وغرائب غير ما عرفناه نحن وألفناه.  الى ذلك، علينا أن نفهم أن استشارة الذكاء الاصطناعي مفيدة، ولكن استبدال التفكير باستجابات آلية أمر خطير. ليس كل ما يقوله الذكاء الاصطناعي صحيحا مئة بالمئة وليس كل ما يبدو منطقيًا هو كذلك الى النهاية، والسبب أن الذكاء الاصطناعي نفسه يشتغل ضمن أنماط محددة، أما الذكاء البشري فقد يكسر هذه الأنماط، ويعيد تعريفها، ولذلك فإن أولئك الذين ينسخون ما يقوله الذكاء الاصطناعي يواجهون خطر التحول إلى متفرجين سلبيين على ما يقدمه الواقع لهم من مشاهد، ومستهلكين للاستجابات بدلاً من أن يكونوا مبدعين للأفكار.

مرادفة الذكاء

نعم إنه مريح، ولكن الراحة لم تكن مرادفة للذكاء في كل الأحوال، والإبداع البشري يظل إحدى السمات الأكثر إثارة للاهتمام في عالمنا، ولا يعني ذلك القدرة على اختراع أشياء جديدة فحسب، بل أيضًا بالقدرة على ربط الأفكار، وتفسير الواقع من وجهات نظر مختلفة وهو يولد من مزيج من الخيال والمعرفة والخبرة. إنه ليس مجرد إلهام عفوي، إنه في كثير من الأحيان عملية استكشاف تقوم على ثنائي التجربة والخطأ، وهذا يفسر لنا كيف ولدت التطورات العظيمة في التاريخ من الأسئلة الجريئة والشجاعة، و»الذكاء الاصطناعي» واحد من تلك التطورات

علاوة على ذلك، فإن الإبداع لا يقتصر على الفن أو الأدب. إنه موجود أيضا في العلم عندما يتم اكتشاف طرق جديدة لفهم الكون، وفي التكنولوجيا عندما يتم تطوير حلول مبتكرة، وحتى في الحياة اليومية عندما نجد طرقًا مبتكرة لمواجهة التحديات.

وهكذا نكتشف أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يولــد محتوى وفقًا لأنماط محــــــــــددة، لكنه يفتقـــــر إلى تلك الشــرارة الشـــــــخصية، تلك الحاجة إلى التســـامي التي تحــــدد الإبداع البشــــــــــري الواسع والمتنوع، نعني بذلك القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وإيجاد إمكانيات جديدة فيما يبدو عاديًا تماما، وأحد الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في الإبداع البشري هو علاقته بالعاطفة والتجربة الشخصية إذ عندما يبتكر شخص شيئًا ما، سواء كانت قصة أو عملًا فنيًا أو حلاً لمشكلة، فإنه يستخدم تاريخــــــه وأفكاره في العمل، وهذا ما نعتبـــــــــره انعكاســـــا للهويــــــــة المرتبطـــــة بالقدرة على التكيف، وفــي أوقات الأزمات أو عدم اليقين، فإن الإبداع هو الذي يسمح لنا بإيجاد الحلول، وإعادة صياغة المشاكل بطريقة أو بأخرى،  إنه القوة الدافعة  وراء الاكتشافات العلمية، والثورات الفلسفية والثقافية، ولحظات العبقرية الصغيرة التي نعيشها كل يوم، وبدون الابداع سيكون تاريخ البشرية مجرد تكرار رتيب للأحداث، دون ابتكار، دون مفاجأة، دون سحر.

هنا يكتشف الشيوخ الحكمة التي قد لا يكتشفها احفادهم، وهي أن الذكاء الاصطناعي معلم جيد، فهو يساعد، لكنه لا يجعل المرء مبدعا لان الإبداع في مختلف مجالاته مهمة إنسانية بحتة.

 

 

 

 

 


مشاهدات 74
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/07/11 - 2:06 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 3:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 237 الشهر 10884 الكلي 15916011
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير