الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أبعد من هدنة المدافع.. هندسة السلام في عالم يجهل معنى السكينة

بواسطة azzaman

أبعد من هدنة المدافع.. هندسة السلام في عالم يجهل معنى السكينة

  عبد العظيم محمد

 

نعيش في عالم يظن أن السلام هو مجرد «الفترة الزمنية الفاصلة بين حربين»، أو أنه اللحظة التي تتوقف فيها المدافع عن الصراير لتبدأ فيها الغرف المغلقة بالتحضير للمعركة القادمة . هذا المفهوم المشوه ، القائم على فكرة «اللاعنف المؤقت»، هو الجرح الغائر في جسد الإنسانية اليوم . السلام الحقيقي ليس غياب الحرب ؛ بل هو حضور العدالة ، وبناء الطمأنينة ، وخلق بيئة لا يرى فيها الإنسان في أخيه الإنسان تهديدًا لوجوده .في عالمنا المضطرب ، لا يمكن للسلام أن يكون مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات الدولية ، بل يجب أن يتحول إلى بنية تحتية فكرية وسلوكية تُعاش يوميًا .

سفراء السلام

إذا أراد سفراء السلام في منطقتنا والعالم أن يخرجوا من دائرة «العمل البروتوكولي» إلى التأثير الحقيقي ، فإن الخطوات التقليدية لم تعد تجدي نفعًا . إنهم بحاجة إلى سلوك مسارات غير تقليدية تتناسب مع عمق الأزمات من خلال تفكيك ثقافة الكراهية من الجذور اذ: لا يمكن صناعة سلام فوق أرضية ملغومة بأفكار إقصائية . الخطوة الأولى هي التغلغل في المناهج التعليمية والمؤسسات التربوية لغرس قيم قبول الآخر .

الانتقال من الصالونات المخملية إلى الشارع ذلك ان السلام لا يُصنع في الفنادق الفاخرة، بل في الأحياء الفقيرة ، والمناطق التي دمرتها النزاعات . على السفراء أن يكونوا جسورًا مباشرة بين الثقافات ، ومستمعين حقيقيين لآلام الشعوب.

أنسنة النزاعات والدبلوماسية الرقمية: يجب استخدام أدوات العصر الحديث لتقريب المسافات ، وخلق منصات حوار تجمع الشباب من خلفيات متنازعة ليقودوا هم التغيير بأنفسهم .

هل نجح السفراء في تنوير الشعوب؟

بصراحة الشريك الباحث عن الحقيقة: النجاح ما زال قاصرًا ومحدودًا.. لقد تحول مفهوم «سفير السلام» في كثير من الأحيان إلى لقب فخري أو واجهة اجتماعية ، بدلاً من أن يكون مهمة ميدانية شاقة. نعم ، هناك محاولات فردية نبيلة ، لكن على المستوى الجمعي ، ما زالت الشعوب تنظر إلى هذه الجهود بنوع من عدم التصديق ، لأن الرصاص على الأرض دائمًا ما يكون أعلى صوتًا من خطابات السلام في قاعات الأمم المتحدة. التنوير الحقيقي لم يحدث بعد ، لأننا لم نربط السلام بالخبز ، بالكرامة ، وبالأمان اليومي للمواطن البسيط .

المثقفون والكتاب

وهنا نصل إلى الحلقة الأضعف والأكثر إيلامًا في معركة الوعي . حين نتأمل المشهد الثقافي والوجدان الأدبي اليوم ، نصاب بصدمة الوجوم . أين هو السلام في الرواية العربية والعالمية المعاصرة ؟ أين هو في القصيدة ، والقصة ، والمقال ؟

لقد انقاد الكثير من الكتاب والمثقفين « بوعي أو بدون وعي « وراء بريق «أدب الحروب والأزمات»، فبرعوا في تشريح الجثث ، ووصف الدماء ، وتوثيق الدمار ، وصياغة مرثيات الفقد . أصبح أدبنا مرآة تعكس القبح والخراب ، وتناسينا أن دور المثقف ليس فقط رصد الهاوية ، بل مد الجسور للعبور منهاز.

إن ندرة الحديث عن السلام في الإبداع المعاصر تكشف عن أزمة عميقة : الكثير من الكتاب لم يستوعبوا بعد أن السلام ليس ضعفًا أو استسلامًا ، بل هو أعلى درجات الشجاعة الفكرية .

إنها دعوة مفتوحة ، بل صرخة في وادي الصمت الثقافي ، ليدرك حملة الأقلام أن رصاصة الكلمة التي تبني السلام أشد مضاءً من تلك التي تشعل الفتن . وقبل أن يكتبوا عن السلام ، عليهم أولاً أن يفهموا كنهه ؛ السلام ليس استكانة ، بل هو نضال مستمر لترسيخ المحبة ، وبناء ذاكرة مشتركة تتسع للجميع.

السلام كخيار وحيد للبقاء

إن قطار الإنسانية يتجه بسرعة نحو الهاوية ما لم نعد صياغة أولوياتنا . السلام ليس ترفًا فكريًا ، ولا مقالاً نملأ به الفراغ ، بل هو شرط وجودنا الإنساني . وعلى كل من يملك موهبة الحرف ، أو قوة الموقف ، أن يخلع رداء الحياد السلبي ، ويتقدم ليكون مهندسًا للسكينة في هذا العالم المنهك .


مشاهدات 48
الكاتب عبد العظيم محمد
أضيف 2026/07/11 - 12:54 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 2:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 160 الشهر 10807 الكلي 15915934
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير