الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قدور الصهر

بواسطة azzaman

قدور الصهر

  محمد زكي ابراهيم

 

لقيت جملة من المفاهيم التي جاء بها النظام العالمي الجديد رواجاً واسعاً، في بلادنا العربية، وعدها البعض مفتاحاً للتقدم، وضماناً للأمن، ووسيلة من وسائل القوة، بعد أن عانت هذه البلاد من الضعف والتفكك والوهن سنوات طويلة.

ومن أهمها (التعددية)، أو القبول بالتنوع الديني أو المذهبي أو القومي، كبديل عن الأحادية والانعزال والتطرف.

 إن انقسام هذه البلاد إلى شيع وطوائف عائد إلى أزمان بعيدة خلت، يوم كانت مركزاً لإمبراطوريات إسلامية واسعة، وكان لا بد بسبب اختلاف متبنياتها الفكرية أن تظهر للوجود  فرق وجماعات  من مشارب شتى.

وفي وقت ما تفاقمت هذه الخلافات بسبب جور السلطات، وتحولت البلاد إلى محيط صاخب من الفئات والأقليات التي تستمرئ النزاعات والحروب، والخلافات والمشاكل، فكان ذلك سبباً في أن يعيش كل منها في بيئة منفصلة، ويحتكم كل بلد منها على مناطق شرقية وغربية، وشمالية جنوبية، تجنباً للمزيد من المواجع والآلام.

 في القرن الجديد، وربما قبله بسنوات، بدأت الشعوب تضيق ذرعاً بهذا التطرف، وتميل إلى العيش المشترك بعيداً عن الصراعات الثقافية والقومية،  لكن هذا الاتجاه لم يكن ناجحاً على الدوام، فليست كل الشعوب قادرة على القبول بالتنوع، أو غض النظر عنه في أسوأ الأحوال، لأن ذلك يقتضي الشروع بثورة اقتصادية، وتدشين نظام سياسي راسخ الأركان، وهكذا.

 وكانت بلادنا العربية في مقدمة الدول التي لم تستطع تجاوز مثل هذه الحال، رغم أنها سعت إلى ذلك في وقت مبكر، والأمثلة على ذلك كثيرة، ليس أقلها السودان، وسوريا، ولبنان، والعراق! أي أن التعددية التي (تمتعت) بها هذه الدول، لم تكن في صالحها على الإطلاق. ، وكانت سبباً في صراعات وحروب مازال بعضها ماثلاً حتى هذه الساعة.

وقد اتضح ذلك في ظهور مناطق (انتخابية) مغلقة، ذات (زعامات) تمتلك النفوذ والمال، وتدعم التطرف والانعزال، وفي مثل هذه الأحوال يبدو  الحديث عن تعددية ثقافية غير ذي جدوى على الإطلاق.

 كان هناك في الماضي القريب من يؤمن بالاستبداد، الذي يقمع مثل هذه الدعوات، ويرى أنه الحل الأمثل للمشكلة، وبرزت مقولة المستبد العادل الذي لا تأخذه في القانون لومة لائم، لكن سقوط الأنظمة التي تمثله كشف عن أنها ألحقت ضرراً هائلاً بالتنوع، وجعلت الهوة تزداد اتساعاً بين المكونات الاجتماعية.

 ربما تبدو فكرة (قدور الصهر) التي ظهرت للوجود في العقود الأخيرة، هي الحل المثالي لجانب مهم من المشكلة لأنها تذيب الفوارق و(العداوات) التاريخية، بطريقة سلمية وهادئة، وهي عبارة عن أحياء مختلطة تضم أطياف المجتمع المختلفة، وكان لنا في العراق منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي تجارب حية لهذه (القدور) تمثلت بالأحياء التي دشنتها الشركات والمصانع لمنتسبيها القادمين من مختلف البقاع، وكانت الريادة في هذا المجال للشركات النفطية العملاقة، التي تولت انتاج وتسويق النفط إلى دول العالم الأخرى، وهي ليست تجربة عراقية صرفة، لأنها موجودة في دول كثيرة، وآخر هذه الأحياء العملاقة بنيت في الثمانينات من القرن الماضي لإسكان العاملين في المشاريع النفطية الكبرى الثلاث، في كركوك وبيجي وخور الزبير.

 إن من عاش في تلك الأحياء يدرك أنها كانت تجمع بين أبناء الشمال والجنوب والغرب والوسط، وكانت العلاقات بين الأسر ذات السحنات والأديان واللغات المختلفة، طبيعية وهادئة.

 إن هذه التجربة قابلة للتكرار في كل مكان تستدعيه الضرورة، عدا عن أنها تؤدي مهمة أخرى هي توفير فرص عمل للجميع دون استثناء، وقبل ذلك كله تسهم في تقريب الطوائف والملل إلى بعضها، وتخلق بينها روابط قوية لا يمكن المساس بها بسهولة.


مشاهدات 36
الكاتب   محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/07/11 - 12:26 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 1:22 AM

أخبار مشابهة
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 10759 الكلي 15915886
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير