أسرار طيّ الزمن
نوال الجراح
نحن البشر ننظر إلى الساعة ونعدُّ الأيام والسنوات، والله سبحانه وتعالى ينظر إلى الحكمة والمآلات. كم من أمرٍ ظننّاه مستحيلاً، فإذا به يتحقق في لحظة لم نتوقعها، وكم من أمنية إعتقدنا أنّ أوانها قد فات، فإذا بكرم الله يأتينا بها في الوقت الأنسب.
هل مررتَ يوماً بتجربة أدهشك الله فيها بعوضٍ جميل بعد صبرٍ طويل؟
هل شعرت أن الأحداث تسارعت فجأة، وأن ما كنت تنتظره سنوات تحقق في فترة قصيرة؟
هذا ما يُطلق عليه مفهوم ،، طيّ الزمن،،
طي الزمن هو مفهوم نفهم به التدبير الإلهي في كونه،
لا أقصد به المعنى الحرفي للزمن، بل ذلك التدبير الإلهي العجيب الذي يجعل المسافات الطويلة تُختصر، والعوائق تتلاشى، والأحداث تتسارع حين تتهيأ النفس لاستقبال ما كُتب لها.
وقد مررتُ مؤخراً بتجربة ربما تكون متواضعة من وجهة نظر الآخر، لكنها جعلتني أتأمل هذا المفهوم وأشعر بقربه من واقع حياتنا أكثر مما نتصور.
فالزمن في حقيقته ليس مجرد عقارب ساعة تتحرك بالوتيرة نفسها عند الجميع، بل هو تجربة نسبية نعيشها وفق حالتنا النفسية والروحية. فقد تمر دقيقة على شخص وكأنها ساعة، بينما تمر ساعات على آخر وكأنها لحظات.
ومن خلال التأمل والتجربة، وجدت أن هناك أموراً تعيق هذا الانسياب الجميل في الحياة، من أهمها الغضب المستمر، والشعور الدائم بأننا ضحايا للآخرين أو للظروف. فحين يبقى الإنسان أسيراً لهذه المشاعر، يثقل عليه الزمن وتتعثر خطواته ولاتكون في حياته مراحل من التغيير والإنجازات التي تستحق الذكر.
في المقابل، هناك أمور تساعد الإنسان على الإنتقال إلى مرحلة جديدة من النمو والتغيير، منها أن يعيش رسالته الحقيقية دون أن ينشغل بإرضاء النسخ المزيفة التي يفرضها المجتمع أو الآخرون عليه، وأن يتحلى بالرضا والتسليم لما يمر به من أحداث، فيتحرك مع الحياة بمرونة وثقة.
كما أن الإيمان العميق بكرم الله وحسن الظن به، مع الأخذ بالأسباب والسعي الجاد، يمنح القلب يقيناً بأن ما كُتب له سيأتيه في وقته المناسب.
ومن المعاني المؤثرة في هذا الباب ما يمكن أن نسميه “بئر يوسف”. فقد يضعك الله في محنة مُظلمة ومُؤلمة، فتظن أنها نهاية الطريق، بينما تكون في حقيقتها بداية التحول الكبير في حياتك. داخل المحنة قد تختبئ المنحة، وداخل الألم قد يكمن الفرج.
وأحياناً يخرج بعض الأشخاص من حياتنا دون أن نفهم السبب،وهذا ما يُقلق أغلبنا ويضعهم في حيرة وألم أحياناً بسبب التعلق، لكن الأيام تكشف لنا أن لكل شيء حكمة، وأنّ بعض العلاقات تنتهي لأنّ المرحلة الجديدة التي نمر بها تحتاج إلى أشخاص مختلفين في الوعي والطاقة ومسارات مختلفة عما مضى.
إنّ معرفة الله حق المعرفة، والتقرب إليه بقلبٍ مُوقن بحكمته ورحمته، من أعظم أسباب الطمأنينة. كما أنّ لحظات الصمت والخلوة والإبتعاد عن الضجيج تمنح الإنسان فرصة لسماع صوته الداخلي والتواصل مع روحه، ولهذا كانت الخلوة من سنن الأنبياء والصالحين في التأمل والعبادة.
كذلك فإن التعافي من الصدمات والجروح النفسية يُحرر الإنسان من أثقال الماضي، فتبقى روحه أكثر قدرة على الحركة والنمو واستقبال الفرص الجديدة.
نّ الإبتلاءات العظيمة لا تأتي عبثاً، وإنما قد تكون إعداداً لأرواح قوية قادرة على تجاوزها وتحويلها إلى رسالة ومعنى. وقد قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
فكل تجربة تأتيك هي على وسعك وتحمل في داخلها درساً، وكل محنة قد تكون جسراً نحو مرحلة أوسع وأجمل.
ولعلّ أجمل ما نتعلمه من فكرة طيّ الزمن أنّ التأخير ليس دائماً حرماناً، وأنّ ما نظنّه إنتظاراً طويلاً قد يكون ترتيباً إلهياً دقيقاً، يجعل النّعمة تأتي في اللحظة التي نكون فيها أكثر وعياً، وأكثر امتناناً، وأكثر قدرة على حفظها والإستفادة منها.
وسؤالي لكم هل مررتم بتجربة طيّ الزمن؟ لنستمع لها؟