الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عن غيرة المثقّفين


عن غيرة المثقّفين

عبد الحسين شعبان

 

في حديث مع الصديق الشاعر والإعلامي حسن عبد الحميد بخصوص غيرة المثقفين من بعضهم البعض، قلتُ له أن هذه الظاهرة ليست عراقية أو عربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية، والأمر لا يتعلّق بشعور فردي فقط، وإنما هي جزء من ظاهرة اجتماعية، قسم منها يتعلّق بالحقل الثقافي، والآخر له علاقة بجوانب سياسية وتربوية ونفسية. وتساءلت لماذا يغار المثقفون من بعضهم البعض؟ وهل الثقافة أو المعرفة ميدان حقد أو كراهية أو ضغينة؟ أم أنه يُفترض العكس، بحيث يكون المثقّف مثلما تكون الثقافة فضاءً للمحبّة والصداقة والإبداع.

 أدرك أن وضع المثقّف كفرد والثقافة كحقل، هما أكثر تعقيدًا من بقية الأفراد والحقول، لأن المثقّف والمجال الذي يعمل فيه أشد حساسية من غيرهما، إمّا بسبب التقليل من شأنه وإهمال جهده الإبداعي، أو إيلاء الاهتمام بغيره وإعطائه مكانة أكبر ممّا يستحق، أو هكذا يعتقد، فتتولّد عنده مشاعر الغيرة السلبية المدمّرة أحيانًا، وهي الأكثر فداحة وضررًا، خصوصًا حين يُقارن المثقف نفسه بمثقفين آخرين أقل إبداعًا منه، وفقًا لتقييمه، فتكون نقمته شديدة، ليس على أصحاب القرار فحسب، بل على أقرانه من المثقفين، فيحاول الانتقاص منهم أو تجاهل إنجازاتهم أو التشكيك بقيمتها الجمالية.

 ومن جهة أخرى ثمة ردود فعل، بعضها يكون إيجابيًا، حيث تتوّلد مشاعر منافسة مشروعة وشريفة، وهذه تكون حافزًا للمزيد من العطاء والبذل على صعيد المعرفة والإبداع. وأضفت: إن هذا الوجه الإيجابي لظاهرة «الغيرة»، هو ما نحتاجه، بل علينا البحث عنه، فنجاح أي مثقّف لا ينبغي أن يُقلّل من مكانة المثقّف الآخر، بل على العكس، يمكن أن يكون مردوده إيجابيًا على الثقافة وعموم المثقفين، الذين هم مختلفون بطبيعة الحال، ولا يمكن أن يتماثلوا، حيث تتعدّد أصواتهم وتختلف ألوانهم وتتنوّع أجناسهم ولغاتهم وانحداراتهم الاجتماعية ومجالات اختصاصاتهم، بعيدًا عن الخصومات الشخصية والتقييمات المبتسرة والآراء السطحية والمغرضة.

المنافسة تكون ضارة حين تتحوّل من البحث عن الحقيقة إلى إلغاء الآخر، فتنشأ عندها خصومة أو عداء يتشخصن على حساب التقييم الموضوعي بسبب الصراع على المكانة الريادية، أو الحصول على المُكافئْ المعنوي للإبداع باعتراف وتقدير الجمهور أو النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وأحيانًا تبرز بعض النزعات وردود الأفعال السلبية التي تحجب عن المثقف رؤية الحقيقة وتُبعده عن تلمّس الواقع، خصوصًا بزيادة شحنات الإيكو (الأنا) وارتفاع النرجسية، لدرجة لا يرى المثقّف إلّا نفسه، ولا ينظر إلى العالم إلّا عبر عدسته الأيديولوجية والسايكولوجية، وحينئذٍ يستولي الحسد والضغينة والكراهية على قلبه على حساب الإبداع والجمال والحقيقة.

فروق كبيرة

ثمة فروق كبيرة بين الحسد الذي يعني التمنّي بزوال نعمة الآخرين والانتقاص من شأنهم، وبين الغبطة التي تعني أن تتمنّى لنفسك ما لدى الآخر من نِعَم أو إبداع أو نجاح، وهذه الأخيرة عامل مساعد على المنافسة الشريفة وبذل المزيد من الجهد والعطاء للوصول إلى ما يصبو إليه المثقّف، وبالطبع فالفرق واضح بين التنافس الشريف والمشروع والحسد اللّامشروع والقاتل.

ويُفترض بالمثقّف أن يكون حامل مشروع معرفي وأخلاقي، وأكثر من غيره قدرة على التسامح وقبول الحق في الاختلاف والتنوّع، على الرغم من أن الواقع يكشف أن ثمة أمراضًا تعشعش في رؤوس البعض وتتعتّق مع مرور الأيام للأسباب المذكورة في أعلاه، فتتحوّل المنافسة إلى نوع من الحسد الأسود، حتى وإن تغلّفت الغاية بالعدل والاستقامة، لكن الوسائل الخسيسة تفضح جوهر الممارسة، التي لا يمكنها أن تحجب الحقد، لأن الوسيلة من شرف الغاية، والأخيرة لا تعصم من الخطأ وارتكاب المعاصي، وهكذا تُفسَد العلاقة بين العديد من المثقّفين.

دائمًا ما أكرّر أن الثقافة ليست معرفة فحسب، ومهما بلغ المثقّف من ثقافة وعلم، لكنه في نهاية المطاف محكوم بسلوكه، لأن الثقافة هي طريقة عيش وأسلوب حياة، وعلى المثقّف أن يتغلّب على نفسه قبل أن يتغلّب على الآخرين، خصوصًا باختيار لغته ومفرداتها، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات، وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات، الأمر الذي يتطلّب حُسن استخدامها لأنها سلاح ذو حدّين، وهي كاشف لمكنونات النفس البشرية، ويُنسب إلى الإمام علي قوله: «ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به». وللأسف فإن بعض من يندرجون في خانة الثقافة ينشغلون بالمنافسة الغيرية على حساب المنافسة على الحقيقة والجمال، وتراهم لا يتورّعون أحيانًا عن استخدام لغة هابطة أو لا تليق بمن نطلق عليه تعبير مثقّف.

اجتهاد وابداع

التنافس المشروع يدفع المثقّف للمزيد من الاجتهاد والإبداع، وحينها يصبح معيار التفوّق والتقدّم هو المنجز الثقافي، وليس البحث عن المثالب والعيوب والشطحات لدى الآخر لتعييره أو تنغيله أو اتهامه بالجهل وعدم المعرفة. والمثقّف الكبير لا يخشى نجاح مثقفين آخرين إلى جواره ومعه، لأنه يُدرك أن المعرفة والإبداع لا تنحصران به وحده، ولا يمكنه احتكار الجمال لنفسه أو لمن يحب، حيث تتّسع الثروة الثقافية كلّما اتّسع العطاء المعرفي.

 وهكذا تصبح المسؤولية الأخلاقية للمثقّف مرتبطة عضويًا بمدى نزاهته وموضوعيته واعترافه بفضل الآخرين وتقديمهم كنماذج مشرقة، في حين أن الحسد والغيرة تولّدان الحقد، وهذا الأخير انعكاس للتعصّب، والتعصّب ينجب التطرّف، وحين يصبح التطرّف سلوكًا يقود إلى العنف تحت مبرّرات امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، سواء كانت أيديولوجية أم قومية أم دينية أم غيرها، وثمة تجارب كثيرة على هذا الصعيد أنتجت ميليشيات ثقافية أو جندرمة ثقافوية استخدمت القمع الفكري لترويض المثقفين، إضافة إلى القمع البوليسي.

وصراعات من هذا النوع، خصوصًا في ظل هيمنة العقائدية والأفكار الشمولية والأنظمة التوتاليتارية، غالبًا ما تترك مفعولها السلبي على الثقافة عمومًا، وعلى المثقف بشكل خاص، لأنها تستهلك الطاقات التي يحرص على عدم هدرها على أمور لا جدوى منها، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فإما أن يضطرّ للرضوخ أو يتعرّض للعقاب ابتداء من مقص الرقيب ليصل أحيانًا إلى الاعتقال أو المنفى أو حتى كاتم الصوت.

لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها ساحة لإقصاء الآخرين، بل هي فضاء يشترك فيه المثقفون في البحث عن الحقيقة وقيم الجمال، في مناخ من الحريّة والاحترام والاعتراف بالآخر، وهي ليست وجاهة بقدر ما هي مسؤولية رمزية. وللأسف فإن الغيرة تُعتبر إحدى آفات المثقفين، التي تنخر بجسد الثقافة، وتترك أثرها السيء ليس على المثقف الآخر فحسب، بل على المثقّف الذي يستولي الحقد على قلبه، لأنها تدمّر جزءًا من إنسانيته بإنكار ما هو موضوعي ومحاولة تقزيم الآخر، مقابل أنانيته وتضخيمه للذات.

وليس القرب من هذا الحاكم أو المسؤول السياسي تُعطي أهمية لهذا المبدع عن سواه، وغالبًا ما تلجأ السلطات والجماعات السياسية إلى المثقف والثقافة بهدف تزويق خطابها وحرق البخور لها، خصوصًا حين تمنح الحظوة للمقربين وتحجبها عن سواهم، لاسيّما غير المرضي عنهم، فللأولين تُمنح الأوسمة والدروع والمكافآت والامتيازات، أما الآخرون فليس لهم سوى الإهمال والتهميش والإعراض، خصوصًا حين يُصار إلى تصنيفهم سياسيًا أو اجتماعيًا أو قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا، فتتقدّم الولاءات ويتراجع سؤال الإبداع.

اخطاء وشطحات

صحيح أن كبار المثقّفين ليسوا معصومين عن الأخطاء والشطحات، فمن لا يعمل لا يَخطأ، وهكذا يتمّ التغاضي عن إبداع بعض المثقفين ليكال لهم شتّى أنواع الإساءات بسبب موقف خاطئ أو سوء تقدير أو اجتهاد لم تزكّه الحياة أو لسوء فهم واختلاف في الموقف، علمًا بأن الأخير دليل صحّة وعافية وتطوّر للثقافة، ونحن أشد حاجة إلى ثقافة الاعتراف بفضل مبدعين آخرين نختلف معهم، ولكننا نتقاسم وإياهم القيم الإنسانية التي نتطلّع لسيادتها، من خلال النقد الإيجابي البنّاء، بما يؤدي إلى التكامل الثقافي للتيارات والمدارس والاجتهادات الفكرية والثقافية والفنية، في حوار يجمع الأضداد أحيانًا في جوار متّسق. إن قيمة المثقّف ليست بحصوله على المغانم واصطفافه في فيلق الزبائنية ونيله المناصب، بل تُقاس بما يتركه من أثر في الوعي والمعرفة، وبما يضيفه من أفكار وآراء جديدة تفتح أفقًا جماليًا وإبداعيًا وإنسانيًا.

ولعلّ من نِعَمْ الحياة أن يعيش الإنسان بقلب صاف يخلو من الغيرة.  

 


مشاهدات 51
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/07/09 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 2:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 148 الشهر 8782 الكلي 15913909
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير