الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
منزلة الشاعر


منزلة الشاعر

عبد المنعم حمندي

 

لقد كانت منزلة الشاعر في المجتمع العربي القديم، وتحديداً في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، منزلةً لا تدانيها رتبة أخرى؛ فهو لم يكن مجرد فنان يصوغ القوافي، بل كان يمثل القوة الإعلامية والعسكرية والسياسية للقبيلة في آن واحد.

​ويمكن تلخيص تلك المكانة

في ما يلي :

المدافع والمحامي (الإعلامي الأول). كان الشاعر هو "الناطق الرسمي" باسم القبيلة. فبقصيدة واحدة كان يمكنه أن يرفع من شأن قبيلة مغمورة أو يحطّ من قدر قبيلة عزيزة. كانت الكلمة في ذلك الوقت أمضى من السيف، والبيت الواحد من الشعر قد ينهي حرباً أو يشعلها. وهو المؤرخ والذاكرة ، كان الشعر هو "ديوان العرب"، والشاعر هو الحارس لهذا الديوان. هو من يخلد الأمجاد، ويسجل الوقائع والأيام، ويحفظ الأنساب من الضياع. فبدون الشاعر، كانت مآثر القبيلة وتاريخها تذهب أدراج الرياح.

و كان هناك اعتقاد قديماً بأن الشاعر يمتلك قوىً خفية أو اتصالاً بعالم الغيب (شياطين الشعر)، مما منحه هيبة ومكانة تقترب من مكانة الكهان، فكان قوله يُؤخذ بمحمل الجد ويُخشى غضبه.

وكانت القبائل تقيم الأفراح وتتبادل التهاني إذا نبغ فيها شاعر؛ لأن نبوغه يعني أنها اكتسبت "لساناً" يذود عن حياضها ويرد عنها هجمات الهجاء.

​ولعل هذا التباين هو ما يجعلك تشعر بالمرارة اليوم؛ فبعد أن كان الشاعر يقود الرأي العام ويمثل هوية المجتمع، يرى البعض اليوم أن دوره انحسر في الزوايا الضيقة أو المهرجانات الاحتفالية.وذلك بسبب التحولات التي طرأت على "وظيفة الشاعر" عبر العصور والثقافات. فبينما كان الشاعر في الميثولوجيا الإغريقية يُصوَّر ككائن ملهم يتلقى وحيه من ربات الشعر (Muses)، ويقترب في مرتبته من أنصاف الآلهة بقدرته على تخليد الأبطال وتغيير مصائر الذاكرة، نجد أن موقعه في الوعي العربي الحديث قد تعرض لاهتزازات عنيفة. اهمها طغيان المادة وتراجع القيمة الرمزية للكلمة أمام القيمة المادية والاستهلاكية، مما جعل دور الشاعر يبدو "هامشياً" أو مجرد "تسلية" في نظر البعض. وكذلك ظهور الطارئين والنظّامين والمدّاحين ، مما جعل الناس تنظر الى هؤلاء نظرة دونية ، فبطغيان المستوى الهابط ، ابتعد المبدعون عن المشهد العام ، وأمسى الأصلاء بمنأى عن الأضواء ، وانعزل الشعراء المبدعون نحو الحداثة النخبوية أو "الغموض"، مما أدى إلى فقدان الرابط المباشر مع الجمهور العام.

اضافة الى ان الصورة الذهنية القديمة عن شاعر المديح الذي يتكسب بشعره ساهمت أحياناً في رسم صورة "المهرج" أو المتملق، بدلاً من صورة الرائي أو المفكر الفيلسوف والمصلح الاجتماعي.

​رغم ذلك، لا يمكن إغفال أن الشعر لا يزال يمثل الهوية العميقة للإنسان العربي؛ فحين تشتد الأزمات أو تلوح الآمال، تعود الكلمة لتكون هي الملاذ الأخير. ربما لم يعد الشاعر "نصف إله"، لكنه يظل في جوهره "ضميراً" يقاوم التهميش بجمالية نصه وثبات موقفه.

 


مشاهدات 72
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/06/30 - 3:25 PM
آخر تحديث 2026/07/01 - 1:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 96 الكلي 15905223
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير