الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف ننقذ إنسانيتنا من مقصلة التعصّب؟

بواسطة azzaman

كيف ننقذ إنسانيتنا من مقصلة التعصّب؟

عبد العظيم محمد

 

في عالمٍ بات يشبه قرية كونية صغيرة ، أصبح التنوع البشري حقيقة لا يمكن القفز فوقها . ومع ذلك ، يعيش مجتمعنا المعاصر مفارقة غريبة ؛ فبقدر ما اقتربنا جغرافياً ورقمياً ، ابتعدنا إنسانياً ونفسياً . إن السلم المجتمعي ليس مجرد شعار رنان يُرفع في المؤتمرات ، بل هو الأوكسجين الحقيقي الذي تتنفسه الأوطان لتبقى على قيد الحياة . وعندما يغيب هذا الأوكسجين ، يحل محله غبار التعصب ، والتطرف ، وتجاهل الآخر ، لتتحول المجتمعات من واحات للتعايش إلى ساحات للتناحر .

​وهم التفوق ومقصلة «تجاهل الآخر»

​يبدأ الخطر عندما يظن فرد أو مكوّن ما أنه يملك الحقيقة المطلقة وحده ، وأن الآخر «المختلف» هو تهديد يجب إقصاؤه أو تجاهله . إن التعصب أعمى ، لا يرى ألوان الطيف بل يرى العالم إما أسود أو أبيض . وتجاهل الآخر هو أولى خطوات «إلغائه» معنوياً ، وهو التربة الخصبة التي تنبت فيها بذور الطائفية البغيضة .

​حينما نتجاهل الآخر ، نحرم أنفسنا من ثراء التجربة الإنسانية ، ونبني جدراناً من الأوهام والخوف ، متناسين أن القوة لا تكمن في التشابه ، بل في التكامل والانسجام بين مختلف مكونات المجتمع .

موجات متلاطمة

​القيم الروحية : حبل النجاة من مستنقع الطائفية

​أمام هذه الموجات المتلاطمة من التطرف ، تبرز القيم الروحية السامية كقارب نجاة حقيقي . إن الأديان والمذاهب في جوهرها النقي لم تأتِ لتكون سبباً في الشقاق ، بل جاءت لتهذيب النفس الإنسانية وإرساء قيم العدل ، والمحبة ، والتسامح .

​«إن تمسكنا الحقيقي بالقيم الروحية لا يتجلى في طقوس مظهرية ، بل في قدرتنا على تجسيد تلك القيم سلوكاً يومياً ؛ بنبذ الطائفية ، وحقن الدماء ، وإعلاء كرامة الإنسان لكونه إنساناً أولاً وقبل كل شيء.»​تلك الروحانيات تدعونا بوضوح إلى بث روح التوجه السلمي ، وتحثنا على إيجاد أعذار للآخر بدلاً من ترصد سقطاته ، مما يعزز اللحمة المجتمعية ويجعل من النسيج الوطني سداً منيعاً بوجه أي محاولات للتمزيق .

​حوار الأديان : من «التعايش الحذر» إلى «الشراكة الحقيقية»

​لكي ننتقل من التنظير إلى التطبيق ، يبرز حوار الأديان كأداة حضارية لا غنى عنها . هذا الحوار لا يعني أبداً تذويب الهويات أو تنازل أي طرف عن معتقداته ، بل يعني باختصار : الاحترام المتبادل .

​الاستماع بهدف الفهم : لا بهدف الرد والانتصار الزائف .

​البحث عن المشتركات : التركيز على القيم الإنسانية الكبرى (كالصدق ، الأمانة ، وحماية الضعيف) التي تلتقي عليها كل الرسائل السماوية .

​تفكيك الصور النمطية : الجلوس على طاولة الحوار يذيب جبال الجليد التي صنعتها خطابات الكراهية والتجهيل .

​إن احترام الكل ، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف والوجود ، هو الضمانة الوحيدة لإنتاج جيل واعي ، يؤمن بأن الوطن يتسع للجميع ، وأن ثراء المجتمع يُقاس بمدى قدرته على استيعاب وتكريم كافة أطيافه.

​خاتمة : صناعة السلام مسؤولية جماعية

​إن السلم المجتمعي ليس مسؤولية جهة حكومية أو مؤسسة دينية بمفردها ، بل هو عقد اجتماعي يشترك فيه الجميع ؛ من الأم في بيتها ، والمعلم في مدرسته ، والإعلامي خلف شاشته ، ورجل الدين في منبره .​دعونا نختار اليوم أن نبني جسوراً للتواصل بدلاً من جدران العزلة ، وأن ننظر إلى الاختلاف على أنه لوحة فنية بديعة تتكامل ألوانها لتصنع مشهداً رائعاً اسمه «الوطن». لنرفض التعصب ، ولنحتضن الآخر ، ولنجعل من السلام لغتنا المشتركة الوحيدة.


مشاهدات 38
الكاتب عبد العظيم محمد
أضيف 2026/06/28 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 3:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 167 الشهر 27562 الكلي 15903043
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير