هل تبقى الداخلية تنّظم شؤون العشائر.. بعد قرار القضاء الأداري ؟
وليد عبد الحسين
تداولت مختلف وسائل الاعلام قرار المحكمة الادارية العليا وقُرأ مع الاسف بشكل مجتزأ وفُسّر خطأً حيث ورد في القرار ما نصه:
(اقام المدعي ( المميز) الدعوى امام محكمة القضاء الاداري مدعياً فيها بأن المدعى عليه (المميز عليه) / إضافة لوظيفته اصدر الكتاب ذي العدد ( ) في « المتضمن تثبيت الشيخ وتظلم ولم يتم الرد . لذا طلب دعوة المدعى عليهما إضافة لوظيفتهما للمرافعة والحكم بإلغاء الكتاب المذكور شيخاً لعشيرة ونتيجة وتثبيت المدعي شيخاً لعشيرة... ونتيجة المرافعة أصدرت محكمة القضاء الاداري حكمها المؤرخ في .. برد دعوى المدعي.. ولعدم قناعة المميز بالحكم المذكور انفاً تصدى له تمييزا لدى المحكمة الادارية العليا في مجلس الدولة بلائحته المؤرخة في.. طالباً نقضه للأسباب الواردة فيها.
المحكمة الإدارية
لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الإدارية العليا وجد ان الطعن التمييزي مقدم ضمن المدة القانونية فقرر قبوله شكلا» ، ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف للقانون ذلك ان المدعي (المميز) يطعن بالكتاب المرقم...المتضمن تثبيت السيد شيخاً لعشيرة .. وقد قضت محكمة القضاء الإداري بقرارها المرقم.. برد دعواه، استناداً إلى ما ورد من تأييد إداري وتوصيات لجان داخل وزارة الداخلية.
لاحظت المحكمة الادارية العليا أن ما ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري لا يستقيم مع صحيح حكم القانون، ذلك أن موضوع الدعوى يتعلق بتحديد من يتولى مشيخة العشيرة، وهو أمر لا يندرج ضمن الاختصاصات القانونية للجهات الإدارية، ولا سيما وزارة الداخلية، إذ أن وظيفة الإدارة تقتصر على تنظيم الشؤون الإدارية والأمنية وفقاً للقوانين النافذة، ولا تمتد إلى تقرير أو إنشاء المراكز الاجتماعية التقليدية ذات الطابع العرفي. وحيث إن مشيخة العشيرة تعد من الظواهر الاجتماعية المتجذرة في البنية المجتمعية، وتقوم على الأعراف والتقاليد والتوافق الداخلي لأبناء العشيرة، ولا تستمد مشروعيتها من قرار إداري، ولا تنشأ أو تلغى بكتاب صادر عن جهة حكومية، وإنما تستمد قوتها من القبول الاجتماعي والامتداد التاريخي والاعتراف العرفي.
كما أن تدخل الإدارة في هذا المجال يُعد تجاوزاً لحدود الاختصاص ومساساً باستقلال البنى الاجتماعية، وخروجاً على مبدأ المشروعية الذي يوجب أن تستند كل سلطة إلى نص قانوني يخولها ذلك، وهو ما لم يثبت في هذه الدعوى. وحيث لم يثبت وجود نص قانوني صريح يمنح وزارة الداخلية أو مديرية شؤون العشائر صلاحية تعيين أو تثبيت شيخ عشيرة على نحو ملزم، وإنما يقتصر دورها - إن وجد – على الجوانب التنظيمية أو التوثيقية دون أن يرتب ذلك أثراً إنشائياً للحق. وحيث إن القرار المطعون فيه قد انطوى على إنشاء مركز قانوني تثبيت شيخ عشيرة دون سند من القانون فإنه يكون مشوباً بعيب عدم الاختصاص الجسيم، وهو من العيوب التي تصيب القرار الإداري وتؤدي إلى انعدامه مما يستوجب إلغاءه ، وحيث ان محكمة القضاء الاداري اصدرت حكمها المميز دون مراعاة ما تقدم مما أخل بصحته، لذا تقرر نقضه وحيث ان موضوع الدعوى صالح للفصل فيه ، لذا قرر الحكم بإلغاء الامر المرقم, في ، وتحميل المدعى عليهما اضافة لوظيفتهما الرسوم والمصاريف واتعاب محاماة وكيل المدعي مبلغا قدره (25,000) الف دينار استناداً الى حكم المادتين (166) و (214) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 والمادة (63) من قانون المحاماة رقم (173) لسنة 1965 وصدر القرار بالاتفاق).
مشيخة العشيرة
فلو قرأنا حكم المحكمة الادارية العليا ، قراءة دقيقة و تحليلية لوجدنا ان المحكمة لم تقل ان لا سلطان لوزارة الداخلية على شؤون العشائر ودورها في تنظيم شؤونها ، وانما ليس لها تنصيب شيخ على عشيرة خلافا لثلاث عناصر:
1/ ان مشيخة العشيرة تقوم على الأعراف والتقاليد والتوافق الداخلي لأبناء العشيرة.
2/ تستمد قوتها من القبول الاجتماعي والامتداد التاريخي والاعتراف العرفي.
وبالتالي فإن تدخل وزارة الداخلية واختيار شخص خلاف لذلك يعد تدخل غير قانوني في شؤون العشيرة وانما يقتصر دور الوزارة على « على الجوانب التنظيمية أو التوثيقية دون أن يرتب ذلك أثراً إنشائياً للحق».
وهذا عهدنا بقضائنا الاداري الرصين ، إذ انه لا يمكن ان يترك الحبل على القارب وهو ابن هذا المجتمع ويسمع مستشاروه الافاضل ان الاف الاشخاص الذين يدّعون المشيخة في العراق الان وهم لا يملكون قبول اجتماعي ولا امتداد تاريخي ولا اعتراف عرفي ، وانما صور في الفيس بوك ومقاطع مع اناشيد مدبلجة وتزلف عند مكاتب الاحزاب !
يبقى على مديرية شؤون العشائر في وزارة الداخلية وهي تضطلع بالجوانب التنظيمية أو التوثيقية للعشائر ومشايخها بحسب قرار المحكمة الادارية العليا ، ان يكون دورها حقيقي وجاد وصارم في محاسبة ادعياء الشيخة زورا وبهتانا ، كونهم ليسوا سوى محتالون يجب ان تطالهم احكام القانون لقاء احتيالهم على بسطاء الناس واخذهم اموال طائلة من وراء تدخلهم في تسوية المشاكل التي تحصل بين ابناء العشائر ، بل وتعقيدها وزيادة اثارها في كثير من الأحيان، فهؤلاء وامثالهم هم من لوثوا طباع العشائر كما قال جواهرينا العظيم :
كانت طباع للعشائر ترتجى فقد لوثوا حتى طباع العشائر
محام