معايير نجاح الحكومات
الاثر الايجابي المستدام ورعاية الطبقة الساحقة
مالك رحيم
"النجاح حليفك.. ولكن"؛ ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي لسان حال الشارع العراقي اليوم، الذي يرى بوارق أمل وإنجازات ملموسة في ملفات، وينتظر بفارغ الصبر وثبة حقيقية في ملفات أخرى تمس عصب حياته اليومية. إن القيادة الحكيمة هي التي تقرن نجاحها العمراني والسياسي بإنقاذ الإنسان، فالأبنية والجسور تكتمل قيمتها عندما تُبنى بالتوازي مع كرامة المواطن وصحته وقوته اليومي.
السيد رئيس الوزراء.. إن جولة بسيطة لأي مسؤول عند أي تقاطع مروري أو إشارة توقف في بغداد أو المحافظات، كفيلة برسم لوحة واجهة الواقع بوضوح مؤلم: أطفال وشباب بعمر الورود يبيعون "المناديل"، وآخرون يمسحون زجاج السيارات، وعوائل متعففة تطلب مما رزق الله. هذه المشاهد تختصر حكاية "المقومات الستة" التي تحتاج إلى ثورة إدارية ورقابية عاجلة لتماسها المباشر بحياة الناس: الماء، الكهرباء، الغذاء، الدواء، الدخل، ودعم العاطلين.
تأسيسًا على رسالتكم الموقرة، نسلط الضوء في هذا المقال والتحليل الإستراتيجي على أبرز الثغرات الاقتصادية والبيئية، ونطرح حزمة من الحلول العملية القابلة للتطبيق الفوري:
أولاً: تشخيص السلبيات (الواقع المأزوم)
نزيف الهدر المالي والفساد: استمرار اعتماد الموازنة الانفجارية على ريع النفط بنسبة تتجاوز 90%، مع وجود تضخم وظيفي مقنع يلتهم الجزء الأكبر من الموازنة التشغيلية دون إنتاجية حقيقية، يرافقه فساد إداري يعطل المشاريع الإستراتيجية.
أزمة الطاقة والمياه والزراعة: دوامة انقطاع الكهرباء المزمنة التي تستنزف مليارات الدولارات سنويًا دون حل جذري، ترافقها أزمة جفاف غير مسبوقة هددت الأمن المائي والغذائي، وأدت إلى تراجع المساحات المزروعة وهجرة الفلاحين للمدن.
التلوث البيئي والاحتباس الحراري: تصنيف العراق كأحد أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي، مع ارتفاع نسب التلوث في الهواء والمياه نتيجة حرق الغاز المصاحب وتدفق النفايات الصناعية والصرف الصحي في الأنهار.
اضطراب سوق الدولار وفجوة الدخل: التذبذب المستمر في أسعار الصرف يخلق فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والموازي، مما يتسبب بـ "تضخم مستورد" يرفع أسعار المواد الغذائية والدوائية، ويسحق الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
البطالة المقنعة والظاهرة: تكدس مئات الآلاف من الخريجين والشباب دون فرص عمل حقيقية في القطاع الخاص، مما يحول هذه الطاقات البشرية المعطلة إلى عبء اقتصادي واجتماعي بدلاً من أن تكون قاطرة للتنمية.
ثانياً: خارطة الطريق والمعالجة (في نقاط مهمة)
لمواجهة هذه التحديات وتحويل "النجاحات الحالية" إلى استقرار مستدام، نقترح المعالجات التالية:
1. مكافحة الفساد المالي ووقف الهدر
التحول الرقمي الشامل (الحوكمة الإلكترونية): أتمتة التعاملات في دوائر الضرائب، الجمارك، والبلدية لقطع دابر الرشوة والعمولات، وجعل حركة الأموال تحت عين الرقابة المركزية.
تفعيل "حساب الخزينة الموحد": لضبط جميع الإيرادات غير النفطية ومنع تسربها، مع إخضاع كافة العقود الحكومية لتدقيق مسبق ولاحق صارم من قبل ديوان الرقابة المالية.
2. ثورة الطاقة والبيئة والمياه
استثمار الغاز المصاحب وتوطين الطاقة البديلة: الإسراع في مشاريع تصفير حرق الغاز لتشغيل محطات الكهرباء محلياً، والتوسع الإلزامي في مشاريع الطاقة الشمسية للمؤسسات والمنازل لتخفيف الحمل عن الشبكة الوطنية.
تحديث منظومات الري والدبلوماسية المائية: منع الري السيحي التقليدي واستبداله بالري بالتنقيط عبر قروض ميسرة للفلاحين، بالتوازي مع تفعيل أوراق الضغط الاقتصادي والتجاري مع دول الجوار لضمان حصة العراق المائية العادلة.
مكافحة التلوث: فرض غرامات صارمة على المصانع والمنشآت النفطية والصحية التي تلقي مخلفاتها في نهري دجلة والفرات، وإطلاق حملة وطنية للتشجير ومكافحة التصحر (الأحزمة الخضراء حول المدن).
3. السيطرة على الدولار وحماية القوة الشرائية
توسيع مظلة الدفع الإلكتروني (POS): إلزام كافة الأنشطة التجارية بالتعامل الرقمي لتقليل الطلب النقدي على الدولار في السوق الموازي.
دعم "السلة الدوائية والغذائية": حصر استيراد الأدوية الأساسية والمواد الغذائية برعاية حكومية مباشرة وضخها بأسعار مدعومة وثابتة في الأسواق لقطع الطريق على المضاربين بحياة الفقراء.
4. مكافحة البطالة ودعم الشباب والخريجين
تفعيل قانون العمل وضمان القطاع الخاص: جعل العمل في القطاع الخاص موازياً للقطاع الحكومي من حيث الحقوق والرواتب التقاعدية، ليشكل وجهة جاذبة للشباب بدلاً من طوابير انتظار التعيين الحكومي.
صندوق "المشاريع الناشئة" للشباب: استبدال آلية التوظيف التقليدي بمنح قروض ميسرة جداً (بدون فوائد وبفترات سماح طويلة) للشباب المتخرجين والعاطلين لإطلاق مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة في مجالات التقنية، الزراعة الحديثة، والصناعات المحلية.
مراجعة المخرجات التعليمية: ربط القبول الجامعي بحاجة السوق الفعلية، والتركيز على التعليم المهني والتقني.
5. شبكة الأمان الاجتماعي وحماية الفقراء
إعادة هيكلة الرعاية الاجتماعية: تنقية قوائم شبكة الحماية من "الفضائيين" وغير المستحقين، وتوجيه المبالغ الفائضة لرفع قيمة الراتب الشهري للعوائل التي تحت خط الفقر لتمكينها من العيش الكريم.
مكافحة ظاهرة عمالة الأطفال والتسول: تطبيق قوانين إلزامية التعليم، ومحاسبة شبكات التسول المنظم، وتوفير مراكز تأهيل مهني للشباب اليافعين المتواجدين في التقاطعات المروية.
خلاصة القول: إن المقياس الحقيقي لنجاح أي حكومة لا يُقاس بحجم ما تنفقه من أموال، بل بالأثر الإيجابي المستدام الذي يلمسه المواطن البسيط في طعامه، وصحته، وجيب أطفاله. السيد رئيس الوزراء.. الطبقة الساحقة من العاطلين والفقراء هي ذخيرتك الحقيقية لاستمرار النجاح، والالتفات إليهم برؤية اقتصادية وبيئية واجتماعية ثاقبة هو طوق النجاة للعراق.