لا قيمة للوزير المنتج في نهج المحاصصة
امير علي الحسون
قليلون هم الوزراء الذين تولوا حقائب وزارية خلال الحكومات السابقة والحالية، واستطاعوا أن يعملوا وفق معايير الكفاءة والمهنية بعيداً عن ضغوط المحاصصة السياسية المقيتة، في ظل كتل وأحزاب تتصارع على الموازنات والمواقع الإدارية الدسمة في تلك الوزارات، حتى أصبح من النادر أن يتعرض الوزير إلى مساءلة قانونية حقيقية عن الإخفاق أو الفساد أو الهدر، لأنه غالباً ما يكون محمياً من كتلته السياسية، التي ترتبط مصالحها بما توفره موازنات الوزارات ومشاريعها من موارد ونفوذ، حتى وإن كانت بعض تلك المشاريع فاشلة أو محدودة الجدوى.
لقد أصبحت هذه الممارسة، للأسف، أشبه بسياسة معلنة لا تشوبها خشية حقيقية من الشارع أو الجهات الرقابية، خصوصاً عندما تكون بعض أدوات الرقابة نفسها أسيرةً للتوازنات والكتل السياسية.
حماية منظومة
فلا يمكن للجاني أن يطالب بمحاسبة الجاني، ولا يمكن للفاسد أن يحاسب الفاسد، لأن النتيجة ستكون في الغالب حماية المنظومة لا محاسبة أفرادها.
وهكذا تسير العملية في الاتجاه المعاكس تماماً؛ بدلاً من أن تكون الدولة هي المستفيد الأول من السلطة، يصبح الفساد المنظم هو المستفيد، على حساب المال العام، وعلى حساب جودة الخدمات التي يفترض أن يحصل عليها المواطن.
وفي مقالات وتصريحات عديدة، طالبنا زعامات الكتل السياسية بأن تظهر أمام الإعلام والرأي العام، وتتحمل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن نزاهة وكفاءة كل وزير أو محافظ أو وكيل أو مدير عام، أو أي مسؤول يتولى منصباً يرتبط مباشرة بخدمة هذا الشعب المغلوب على أمره.
لك أحداً لم يبادر.
والسبب واضح؛ لأن الجميع، بدرجات مختلفة، يشارك الجميع في منظومة المحاصصة، ويتقاطع معها أو يستفيد من نتائجها، ولذلك يصعب على شريك في هذه المعادلة أن يطالب بإسقاط قواعدها.
وبذلك، أصبحنا نتحسر على وزير أو مسؤول بدرجة خاصة، يكون مجرداً من تلك الاشتراطات السياسية، ليكون مسؤولاً مهنياً ونزيهاً، حريصاً على المال العام، ومخلصاً في أداء واجبه، ويضع مصلحة البلد والمواطن فوق مصلحة الكتلة والحزب والجهة التي رشحته. هذه هي المعادلة التي يطالب بها الشعب، وتؤكد عليها المرجعية، وينادي بها رجال القضاء وأصحاب الاختصاص وكل من يريد بناء دولة حقيقية تقوم على القانون والمؤسسات.
لكنها تبقى، حتى الآن، أمنيةً صعبة التحقيق أمام زعامات كتل سياسية تتصارع على المال والنفوذ بشراهة، وتتعامل مع المناصب باعتبارها حصصاً ومواقع نفوذ، من دون خشية حقيقية من الرأي العام أو من نتائج استمرار هذا النهج على الدولة والمجتمع.
كتلة سياسية
وهنا تكمن المفارقة: الوزير الذي ينتج، ويحاسب، ويغلق أبواب الهدر، ويمنع التجاوز على المال العام، ويعيد للمؤسسة هيبتها، قد يصبح في بعض البيوت السياسية أقل قبولاً من وزير لا ينتج ولا يحاسب ولا يزعج أحداً.
فالوزير المنتج يفتح الملفات، والوزير الإصلاحي يضع المقصر أمام مسؤولياته، والوزير النزيه يضيّق مساحات الانتفاع غير المشروع. وهذه الصفات، التي يفترض أن تكون شروطاً أساسية في المسؤول، قد تتحول في بيئة المحاصصة إلى أسباب للصدام مع أصحاب المصالح. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من هو الوزير الذي يمثل هذه الكتلة أو تلك؟ وإنما: من هو الوزير الذي يمثل الدولة؟ ومن يحاسب المسؤول حين يفشل؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يهدر المال العام؟ ومن يقف أمام المواطن ليشرح له لماذا تعثرت المشاريع ولماذا لم تتحسن الخدمات؟ إذا كانت الإجابة دائماً هي حماية الكتلة السياسية، فإننا لا نتحدث عن دولة مؤسسات، وإنما عن منظومة تحمي بعضها بعضاً.
الدولة لا تحتاج إلى وزراء محميين من المساءلة، بل إلى وزراء تحميهم نزاهتهم وكفاءتهم ونتائج أعمالهم.
ولا تحتاج إلى مسؤول ينجح في إرضاء زعيم كتلته، وإنما إلى مسؤول ينجح في إرضاء ضميره والقانون والمواطن.
وهنا، تحديداً، نفهم عنوان المقال: لا قيمةَ للوزير المنتج في البيت السياسي، إذا كان معيار القيمة هو مقدار ما يقدمه للكتلة، لا مقدار ما يقدمه للدولة.
أما إذا أردنا فعلاً بناء دولة تحترم شعبها، فلا بد أن تتغير المعادلة: الكفاءة قبل المحاصصة، والنزاهة قبل الولاء، والإنجاز قبل النفوذ، والمساءلة قبل الحماية السياسية.
وعندها فقط، يصبح الوزير المنتج هو الأكثر قيمة، لأنه سيكون منتجاً للدولة لا للكتلة، وخادماً للمواطن لا للمصالح، وحارساً للمال العام لا بوابةً لاستنزافه.
مع عظيم احترامنا لبعض الكتل التي تعمل للوطن قبل كل شيء.