الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف وجدنا العراق .. وهل سنتركه؟

بواسطة azzaman

ماذا سيبقى منّا؟

كيف وجدنا العراق .. وهل سنتركه؟

أسامة أبو شعير

 

عندما يقترب الإنسان من نهاية الطريق، تتساقط أشياء كثيرة كان يظنها جبالاً. تبرد الخصومات القديمة، وتتضاءل الانتصارات الصغيرة، وتغدو السلطة ظلاً عابراً، ولا يبقى في القلب سوى سؤال يطرق أبواب الذاكرة: ماذا سيبقى منّا؟ وماذا سنترك لمن سيأتي بعدنا؟

نحن جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؛ جيل رأى في العراق بعض أجمل ما يمكن أن يمنحه الوطن لأبنائه، ثم شهد بعض أقسى ما يمكن أن يفعله التاريخ بوطن. وجدنا عراقاً لم يكن مثالياً؛ كانت فيه أخطاء السلطة واختلالات السياسة وبذور أزمات ستنفجر لاحقاً. فلا ينبغي أن نحوّل الحنين إلى تاريخ، ولا الذاكرة إلى صورة مثالية لماضٍ لم يكن مثالياً.

لكننا وجدنا أيضاً دولة تطمح، وتعليماً كان يفتح لابن الفقير باب الجامعة، وطبقة وسطى تتسع، ومؤسسات تتشكل، وبلداً كان يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بين الدول الصاعدة. وجدنا ثروة وقدرات بشرية، وفوق ذلك كله شيئاً يصعب قياسه بالأرقام: إحساساً بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم. وجدنا العراق، ربما، مثل بيت لم يكتمل بناؤه. كان يحتاج منا أن نكمل جدرانه ونقوّي أساساته؛ لكننا اختلفنا طويلاً على من يملك غرفه، حتى كدنا ننسى أن السقف كان يتصدع فوق رؤوس الجميع.

ثم كبرنا، وكبرت معنا الحروب. رأينا الحصار يسرق سنوات من أعمارنا، والمؤسسات تضعف، والثقة تتآكل، والأحلام تتحول إلى حقائب سفر. وغادر كثير منا إلى مدن منحتنا أمناً وفرصاً، لكنها لم تستطع أن تمنحنا العراق نفسه.

تسليم راية

عملنا ونجحنا وربينا أبناءنا، لكن شيئاً منا بقي هناك؛ في بيت قديم، أو مدرسة، أو شارع كان يعرفنا. غادر كثير منا العراق، لكن العراق لم يغادرنا. ولعلنا تأخرنا حتى في وصف اللحظة. فنحن لا نقترب من تسليم الراية؛ الراية انتقلت بالفعل، من دون أن تستأذننا. أبناؤنا كبروا، وأحفادنا وُلدوا، والمستقبل الذي كنا نتحدث عنه أصبح حاضرهم. كنا نظن أن أمامنا وقتاً لإصلاح ما تأجل، ثم اكتشفنا أنهم يعيشون بالفعل في المستقبل الذي تركناه لهم.

وهنا تكمن الحقيقة الأصعب: العراق لم يحدث لنا فقط؛ نحن أيضاً حدثنا للعراق. لم نصنع جميعاً الحروب، ولم نختر الحصار، ولم يكن المواطن مسؤولاً عن كثير مما فُرض على البلاد. لكن جيلاً لا يستطيع، في نهاية رحلته، أن يحاسب الحكام وحدهم ويعفي نفسه تماماً. بعضنا صمت، وبعضنا غادر، وبعضنا تكيّف، وبعضنا قاوم، وبعضنا حاول أن يبني.

ولعل أقسى ما في الأمر أننا تعاملنا مع بعض جراح العراق كأنها ستُدفن معنا، ثم اكتشفنا أنها كانت تُحزم، بصمت، في حقائب أبنائنا.

وبين ما فُرض علينا وما صنعناه تقع مساحة ينبغي أن نمتلك شجاعة النظر إليها. ولهذا لا نريد من أحد أن يبكي علينا. هناك ما هو أحق بالبكاء: طفل كان يمكن أن يتعلم أفضل، وشاب حمل مستقبله وغادر، وكفاءة سبقتها الواسطة، ومؤسسة بقيت أضعف من المسؤول، وثروة خرجت من الأرض ولم تتحول بما يكفي إلى مستقبل فوقها. ثم، بعد أن نبكي قليلاً، علينا أن نتوقف وأن نبدأ البناء. وأول البناء ألا نورث أبناءنا الخوف ولا صراعات ذاكرتنا. علّموهم كيف يسألون، لا ماذا يرددون؛ فالدولة تبدأ من عقل يستطيع أن يقول: لماذا؟ أخبروهم بما حدث، لا تخفوا ظلماً ولا تمحوا ضحية، لكن لا تجعلوا من آلامنا قدراً يعيشونه نيابة عنا. فالذاكرة التي لا تتحول إلى حكمة تتحول إلى سجن.

ثم أعيدوا بناء الثقة. فلا دولة تقوم حين لا يثق المواطن بالدولة، ولا العراقي بالعراقي المختلف عنه. ولا تبحثوا عن رجل ينقذ العراق؛ ابحثوا عن مؤسسات تجعل العراق لا يحتاج إلى منقذ. ولا تجعلوا النفط وطناً؛ فالثروة التي لا تتحول إلى إنسان متعلم واقتصاد منتج ومؤسسة كفوءة ليست إلا مورداً ينتظر أن ينفد. ابنوا اقتصاداً يحتاج إلى عقول العراقيين أكثر مما يحتاج إلى ما تحت أرضهم.

ولكن كيف نعرف أننا نبني دولة فعلاً، لا نتحدث عنها فقط؟

هل يستطيع طفل يولد في أسرة فقيرة أن يصل بموهبته إلى الجامعة؟ هل يستطيع شاب أن يحصل على عمل لأنه الأكفأ، لا لأنه يعرف أحداً؟ هل تحمي المؤسسة مواطناً ضعيفاً عندما يكون خصمه قوياً؟ وهل يستطيع العراقي أن يختلف مع السلطة من دون أن يخاف منها؟

إذا لم نستطع الإجابة عن هذه الأسئلة، فلن تخبرنا أعداد الجسور ولا براميل النفط وحدها إن كنا قد نجحنا. هناك، في حياة الإنسان العادي، يبدأ معنى الدولة.ولا نحتاج إلى عراق يتفق فيه الجميع، بل إلى عراق يستطيع المختلفون فيه أن يعيشوا معاً من دون أن يحتاج أحدهم إلى هزيمة الآخر كي يشعر أنه موجود. فالوطن ليس المكان الذي ينتصر فيه فريق إلى الأبد، بل المكان الذي لا يحتاج فيه أحد إلى الخوف من انتصار الآخر.

كتب واحلام

ولنختبر كل قرار بسؤال واحد: ماذا سيترك للإنسان والمؤسسة بعد عشر سنوات، لا ماذا سيضيف إلى رصيد السلطة اليوم؟ عندها يصبح التعليم استثماراً، والكفاءة أهم من الواسطة، والمؤسسة أبقى من المسؤول، والمال العام أمانة بين الأجيال.

نحن جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات نستطيع أن نحكي لأحفادنا طويلاً عن العراق الذي وجدناه؛ عن المدارس والجامعات والكتب والأحلام، وعن وطن ربما تجعله الذاكرة أجمل مما كان عليه. لكنني أخشى سؤالاً آخر: أن يجلس أمامنا حفيد ذات يوم ويقول: إذا كان هذا هو العراق الذي وجدتموه… فكيف تركتموه لنا؟ذلك سؤال لن تجيب عنه الذاكرة نيابة عنا. ولن يكون مهماً عندها من حكم أكثر، أو أي حزب انتصر، أو كم برميلاً من النفط صدّرنا. سيكون أمام جيلنا ميزان أبسط وأقسى: هل تركنا لأطفال العراق دولة أفضل من تلك التي ورثناها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فربما لم تذهب أعمارنا سدى. وإذا كانت لا، فليس من حقنا أن نورث أبناءنا أعذارنا أيضاً. خذوا من ذاكرتنا ما يساعدكم على الفهم، واتركوا ما يدعوكم إلى الكراهية. أصلحوا ما عجزنا عن إصلاحه، وابنوا ما لم نستطع بناءه.

فنحن نستطيع أن نحكي لكم طويلاً كيف وجدنا العراق، أما كيف تركناه، فتلك هي الشهادة التي سيكتبها التاريخ عنا.

فالأجيال لا تُقاس بما ورثته، بل بما تركته لمن بعدها.

 


مشاهدات 69
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/08/15 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 92 الشهر 16643 الكلي 16106347
الوقت الآن
الأحد 2026/8/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير