البنك المركزي .. الحارس يترك الباب مفتوحاً
محاسبة الضحية على السرقة
موفـق البياتي
ليست الكارثة ان يتعرض الاقتصاد العراقي للخطر، بل ان يتعرض له على مرأى الجهة التي يفترض انها خلقت اصلاً لمنح الخطر.
وليس الفشل ان تتعثر بعض المصارف ، بل الفشل الحقيقي ان تتكاثر المصارف الضعيفة وتترنح المصارف المهددة وتتسع دوائر الشك والخوف،فيما يقف البنك المركزي في موقع المراقب الذي يكتفي باصدار التعليمات فقط وكأن المخاطبات الادارية وحدها قادرة على انقاذ سوق مصرفي فقد مناعته .
في الدول الرصينة يكون البنك المركزي هو عقل الاقتصاد النقدي، وعين النظام المالي و ذراع الدولة في حماية الثقة العامة ، اما حين يتعطل هذا الدور ، فلا يعود هذا البنك مؤسسة سيادية كاملة الفعل ، بل يتحول الى جهاز يصف الحريق من غير ان يضطلع باطفائه.
اشد قسوة
وهنا تبدأ الاشكالية في جمهوريتنا المالية بصورتها الاشد قسوة : مصارف تخضع لعقوبات او قيود او عزل خارجي ، قطاع اهلي مرتبك ، ثقة شعبية مهزوزة ، اقتصاد نقدي متوحش ، وموظف وعامل مهدد بقطع راتبه ، امام بنك مركزي لا يزال يتصرف احيانا بمنطق الادارة الورقية ، لا بمنطق الانقاذ الوطني
دور البنك المركزي ليس ان يّعد الاصابات بل ان يمنع النزف ،هنا يفرض السؤال نفسه لا بوصفه استفساراً عابراً ، بل كاتهام صريح يطالب باجابة لا تحتمل التأجيل ؟ ماهو دور البنك المركزي في معالجة مشكلات المصارف الاهلية وتطويرها والنهوض بواقعها خدمة للاقتصاد الوطني ؟
الجواب الصريح هو: اذا كان البنك المركزي لا يقوم بهذا الدور فمن يقوم به ؟
ان البنك المركزي لم ينشأ فقط لضبط سعر الصرف او اصدار العملة او تعميم التعليمات ، فدوره الاعمق هو ان يكون القائد الفعلي لسلامة القطاع المصرفي، وليس كاتب الضبط لمحاضر ازماته ، اذ ان عليه ان يضطلع بعدة وظائف لعل اهمها:
اولاً- التشخيص المبكر : اي ان يكتشف المصرف المريض قبل ان يتحول مرضه الى عدوى عامة ، فالمؤسسة الرصينة التي تنتظر الانهيار ثم تصدر بياناً بعده ، ليست رقيباً فاعلاً بل مؤرخاً متأخراً فقط .
ثانياً- المعالجة التصحيحية : فليس كل مصرف متعثر يجب ان يترك حتى يموت ، وليس كل مصرف ضعيف يجب ان يتمتع بمن يدافع عنه حتى النهاية ، فالمطلوب هنا سياسة مهنية واضحة تتبلور في : من يعالج وكيف ومتى وبأي ادوات؟ ثم من يتحمل كلفة كل ذلك ؟
ثالثا- التطوير المؤسسي للمصارف الاهلية : فالمصرف الاهلي في العراق ، لا يحتاج فقط الى رقابة ، بل الى اعادة بناء حقيقية في الحوكمة والامتثال وادارة المخاطر وتدريب الكوادر ، ثم ضبط العلاقة بين راس المال والادارة والتشغيل.
رابعاً- حماية الثقة العامة : فحين يهتز القطاع المصرفي الخاص ، يجب ان يظهر البنك المركزي، لا بصفة المفسر بل بصفة الضامن ، لان الاسواق لا تهدأ بالمواعظ بل باشارات القوة والثبات.
خامساً- ربط القطاع المصرفي بالاقتصاد الوطني الحقيقي : إذ لا معنى لمصارف تتكاثر عددياً لكنها لا تمول الانتاج ، ولا تحفز الاستثمار ، ولا تخدم التنمية ، ولا تبني اقتصاداً حديثاً ، فالمصرف الذي لا يضيف قيمة للاقتصاد ، ليس مؤسسة نمو بل مجرد هيكل مالي معلق في الهواء .
ومن هنا فان دور البنك المركزي لا يجب ان يبقى محصوراً في رد الفعل ، بل ينبغي ان يتحول الى دور تأسيسي يصنع قطاعاً مصرفياً قابلاً للحياة، لا قطاعا مصدراً للتعليمات فقط..
الثقة بالخارج
السؤال المحظور .. لماذا نثق بالخارج اكثر من الداخل
عند هذا السؤال ، نصل الى النقطة التي لا يحب احداً ان يقترب منها : لماذا حين يتعلق الامر بالتحويلات او التعاملات الخارجية يتجه العراق الى المصارف الاردنية لا العراقية ؟ اهو خيار فني ، ام انه حكم قاسي على واقعنا المصرفي او انه اعتراف غير معلن بأن الثقة تستورد ؟
ان تفضيل المصارف الاردنية ، على الرغم من وجود عشرات المصارف العراقية لا يمكن تفسيره بالصدفة ، بل هو مؤشر صريح على خلل اعمق ، خلل في الثقة ، قبل ان يكون خللاً في الاداء ، وهنا تتكاثر الاسئلة : هل ان المصارف العراقية غير قادرة على لعب الوسيط الدولي ، وهل ان الامتثال الخارجي اكثر صلابة من الداخل، ام ان البنك المركزي لم ينجح بعد في صناعة « سمعة مصرفية» يمكن تصديرها . ولعل السؤال الاكثر ايلاماً وسط كل تلك الاسئلة ، هل اصبحنا نصدر نشاطنا المالي - كما نصدر التمر العراقي - لاننا عاجزين عن اصلاحه داخلياً ، ام ماذا يعني كل هذا ؟
ان تحويل جزء من الدورة المالية الى الخارج يعني : تسرب جزء من الارباح الى الخارج ، وتهميش لدور المصارف المحلية ، وبالتالي تكريس التبعية المالية الغير معلنة . وعندئذ لا يلام الخارج لانه نجح. بل يلام الداخل لانه لم يصلح نفسـه .
استمرار النهج القائم.. الى اين
ان استمرار البنك المركزي بالنهج القائم المتمثل بالادارة غير الحاسمة ، والرقابة غير الصارمة والتعليمات التي لا تجد سبيلاً للتنفيذ ، وإن وجدت فأنها لا تجد تنفيذاً حقيقياً لها . فأن النتيجة لن تكون استقراراً مالياً ، بل تآكلا بطيئاً لهذا الاستقرار ، وقد نصل فيه الى مرحلة تتقلص فيها المصارف الفاعلة وتفرع اخرى من دورها ، ويزداد اعتماد الناس على النقد، ومن ثم انهيار تدريجي للثقة ، والنهاية عندئذ لن تكون مفاجئة ، بل انقراض مصرفي صامت