سبايكر
منتصر صباح الحسناوي
حلمٌ بوظيفةٍ في وطنٍ جعل آلاف الشباب العراقيين يتوجهون نحو سبايكر.
قبّل يد أمه وحمل حقيبته الصغيرة ووعدها أن يعود قريباً، كان يريد وظيفةً فقط، راتباً يخفف عن أبيه وغرفةً يؤثثها استعداداً لزواجه.
بعد أيامٍ قليلة وثقيلة، جلست الأم أمام التلفاز، كانت الوجوه تمر سريعاً والمشاهد مرتبكة والرايات السود تملأ الشاشة. فجأة لمحته.
ثوانٍ قليلة فقط.
كان واقفاً بين عشرات الشبان، ينظر حوله بذهول، كأنه يبحث عن طريقٍ للعودة إلى البيت.
صرخت الأم:
“هذا ابني… هذا ابني.”
اقترب الأب من الشاشة، وحاول أن يحفظ ملامحه قبل أن تختفي الصورة.
اختفت.
لتظهر بعدها مشاهد النحر على صخرة، هي الأسوأ على نهر دجلة، وحفرةٌ للإعدام الجماعي، مما اعتادت عليه أرض العراق من المقابر الجماعية.
ولم يعد بعدها أبداً.
منذ ذلك اليوم تحول “سبايكر” من اسمٍ لقاعدةٍ عسكرية، إلى اسمٍ لألفٍ وسبعمائة بيتٍ انطفأ فيه ضوء، وأمهاتٍ تحدق في باب الدار، وأحلامٍ توقفت في منتصف الطريق.
أما ذلك الشاب، فلم يكبر ولم يتزوج ولم يبنِ الغرفة التي حلم بها.
بقي في التاسعة عشرة من عمره…
وبقي العراق يتذكره كلما مرّ حزيران