حلمي طيّار يحلّق في سماء الرسم والنحت: المعدن ليس مادة صمّاء بل نص مفتوح يتحمّل الإنسياب
بغداد - علي الدليمي
من قمرة قيادة الطائرة إلى مرسم النحت، يبدو مسار الفنان محمد عباس حلمي كأنه انتقال محسوم من فضاء إلى آخر دون أن يفقد إحساس الارتفاع.
هو من مواليد العراق 1965، خريج أكاديمية الطيران المدني 1998، لم يدخل الفن مبكراً، بل عاد إليه بعد التقاعد. درس النحت في كلية الفنون الجميلة، وبدأ يمارس الرسم والنحت معاً باحثاً عن لغة تشكّل امتداداً لرؤيته وبصره.
قبل سنوات أقام معرضه الشخصي الأول في الرسم اليوم يتهيأ لمعرضه الثاني، لكن بوصفه نحاتا هو تغيير في الوسيط لا في المشروع، مشروع يعيد صياغة الذاكرة الجمعية بلغة معدنية معاصرة.
من الكتلة إلى الإيقاع المجموعة المختارة من أعماله تكشف فناناً يمزج بين الأصالة التعبيرية والتبسيط الحداثي يتخذ من البرونز والحديد وسيطاً لصياغة علاقة جدلية بين الكتلة والفراغ المعدن عنده ليس مادة صماء، بل نص مفتوح يتحمل الاختزال والانسياب والتشظي.
في منحوتة الديك الملون مثلاً يميل عباس إلى الواقعية التعبيرية ذات الطابع الزخرفي الحركي الشرائح المعدنية المتراكبة تمنح العمل إيقاعاً بصرياً يوحي بالريش والحركة الدائمة تلوين المعدن يكسر رتابة الخامة ويضيف بعداً درامياً، فتبدو المنحوتة كأنها على وشك الرفرفة.
تحريد اختزالي
أما في منحوتة الديك البرونزي بارتفاع 48 سم، فينتقل إلى التجريد الاختزالي الشكل مكثف في خطوط انسيابية حادة، والفراغ يصبح جزءاً بنيوياً، خصوصاً في منطقة الجناح هنا يظهر نضج التعامل مع الخامة: الكتلة الصماء تتحول إلى تشكيل نحيف يتحدى الجاذبية، وكأن الفنان يستعيد خبرته كطيار في موازنة الكتلة والهواء، الرمز والذاكرة الجمعية لا يكتفي عباس بالشكل من أجل الشكل.. يرتكز على أيقونات مستمدة من البيئة والذاكرة العراقية والعربية:
الديك ليس محاكاة للطبيعة، بل رمز للحيوية والنهوض، للصوت الذي يسبق الضوء. في تكراره في أكثر من عمل يتحول إلى علامة بصرية متكررة، كشعار شخصي للحركة واليقظة.
أما منحوتة (الجمل والراكب) فتستدعي ثنائية الصبر والارتحال، وهي ثيمة متجذرة في الفن العربي. لكن عباس يعيد صياغتها برؤية معاصرة تبتعد عن السرد المباشر نحو التعبير الكتلي. السطح ليس أملساً، بل متعرجاً بنتوءات وضربات تعكس انفعال اليد بالخامة.
النتيجة «هيبة زمنية» تجعل العمل يبدو كقطعة أثرية مستخرجة من باطن الأرض، يحمل عبق الصحراء وطول المسافة توازن الهندسة والإحساس تظهر المنحوتات وعياً هندسياً في توزيع الثقل في الديك التجريدي ترتكز الكتلة على قاعدة خشبية بسيطة، فيتولد تضاد ملمسي بين دفء الخشب وصلابة البرونز. أما في العمل الأول، فالقاعدة الحديدية الضخمة تعمل كمرساة بصرية توازن ضخامة «الذيل» المروحي للديك، وتحقق استقراراً بصرياً ونفسياً للمتلقي.
هذا الوعي بالتوازن ليس تقنياً فقط، بل دلالي هو انعكاس لتجربة رجل تعوّد أن يحسب الوزن والارتفاع والتوازن قبل الإقلاع الانتقال من الطيران إلى النحت لم يكن قطيعة، بل تحويلاً للمهارة من فضاء السماء إلى فضاء القاعة.
انه نحات يعرّب المفاهيم الحديثة في هذه المجموعة محاولة جادة لتعريب المفاهيم النحتية الحديثة هو لا يكتفي بالشكل، بل يبحث عن «روح الخامة». تتراوح أعماله بين الديناميكية الحركية في الديك الملون والسكون التأملي في الجمل، مما يجعله نحاتاً يمتلك أدوات متنوعة وقدرة على تطويع المعدن لخدمة فكرة الهوية والجمال المعاصر.
محمد عباس حلمي لا يرسم ليرضي العين فقط، ولا ينحت ليكرر التراث. هو يطير داخل المعدن، ويهبط بالذاكرة على قاعدة من خشب أو حديد، تاركاً للمتلقي أن يقرأ في الفراغ المتبقي ما يشاء.
عضويته في نقابة الفنانين العراقيين، وجمعية الفنانين التشكيليين، واتحاد الفنانين العرب، ومشاركاته في معرض الورد ببورصا، ومعارض جماعة الفن المعاصر، ومعرض الواسطي، وشهادات التقدير من جماعة الفن المعاصر، ومؤسسة ندى للفنون، وأتيليه فناني العالم، تشير إلى أن الوسط الفني يلتقط من تجربته مزيجاً نادراً: دقة المهندس، وحس الشاعر، وجرأة من تعلم أن يحلق.
حتى موعد معرضه الجديد، نبقى على موعد مع نتاجاته القادمة. فما الذي سيقدّمه محمد عباس حلمي هذه المرة؟