استراتيجية لمكافحة الفساد في العراق
مهداة لمعالي رئيس الوزراء السيد علي الزيدي
قاسم حسين صالح
بدايات الفساد
لنكن منصفين وعلميين فنقول ان بدايات الفساد تعود الى العام 1980 داخل المؤسسة العسكرية تحديدا، بين ضباط وميسوري الحال من المجندين كانوا يدفعون رشا و «هدايا» الى آمريهم للحفاظ على حياتهم او الحصول على إجازة يمارسون فيها اعمالا تدرّ عليهم رزقا أوفر من رواتبهم، الى جانب «شراء» قادة عسكريين بمنحهم اوسمة شجاعة ومكافآت مالية ضخمة وأراضي، خلقت منهم فئة ثرية جدا ولّدت لدى الضباط الآخرين الشعور بالحيف فأخذوا «حقهم» من الدولة بالرشوة والاختلاس، ما نجم عنه «تطبيع نفسي» مهد للانزلاق الى الفساد.
وجاء الحصار(1991-2003) الذي اضطر حتى اساتذة جامعة لأن يعملوا (سواق اجرة واصحاب «بسطيات») لبيع السجائر، فدخل الفساد المؤسسات التربوية المسؤولة عن صنع الأخلاق ليلوث الضمائر الفتية ويهيئها لمرحلة القبول حين تصبح شابة، لينتقل «التطبيع» الذي مارس عملية «ترويض الضمير» لثماني سنوات حرب مع ايران، الى حالة " القبول" المبرر نفسيا لثلاث عشرة سنة تلتها.
وفي العام 2003 أطاح التغيير بالنظام ولم يطح بالفساد، بل توزع المحرومون على فئتين:
· سياسيون تسلموا السلطة واستولوا على ممتلكات اشخاص ودولة، و
· «حواسم» نهبوا وفرهدوا ونّطوا من الحضيض الى «القمّة».. بنوا العمارات (في احدى مناطق بغداد نقطة دالة اسمها عمارة الحواسم!) واشتروا العقارات في بيروت وعمان ودبي وشرم الشيخ ولندن.
ولأنهم لم يحاسبوا، فقد ظهرت فئة من الناس أطلقت على نفسها اسم «النوادم» لأن ضميرهم عدّ النهب حراما في لحظته، ثم تبين لهم فيما بعد أنهم اضاعوا الفرصة فصاروا من النادمين! ويعني هذا سيكولوجيا:
· تعطل الضمير الاخلاقي لدى الذين كانوا مترددين في حوادث النهب والفرهود، وزيادة مساحة قبول الفساد المالي اجتماعيا.
وبتعرض العراق لأخطار داخلية وخارجية ظهر عامل نفسي جديد ضاغط هو «قلق المستقبل» أشاع الظاهرة اكثر في زمن البرلمان الأول، وتحكّم بالغالبية المطلقة من المسؤولين فاعتبروا وجودهم في السلطة «فرصة» عليهم ان يستغلوها بما يؤمّن لهم ولأسرهم مستقبلا ماديا مضمونا.. وبممارستهم له صار فعل الفساد : «شطارة» بل صار حالة لا يختزى منها! فتوقف الضمير عن التأنيب وعن اعتبار الفساد حراما.
وبسكوت حكومات المالكي( وسكوت المالكي عن ملفات فساد لو كشفها لانقلب عاليها سافلها- كان ليحمي فاسدين بحزبه) وعجز حكومات العبادي وعادل عبد المهدي والكاظمي والسوداني عن محاسبة الفاسدين، وتبادل التهم بين معممين سياسيين بشكل خاص..انتهكت قدسية الدين، وافتقد الناس انموذج القدوة..اوصلا الموظف البسيط الى أن يردّ على ضميره:
· «اذا كان قدوتي يرتكب هذا الفعل، فأنا لست بأحسن منه. واذا كان حراما فلأضرب ضربتي...ثم اذهب الى الحج واستغفر ربي..والله غفور رحيم»!
ان تفاعل هذه الآليات على مدى اربعين سنة (يعني عمر جيل) أفرز نتيجة سيكولوجية هي:
· أن الناس حين تضطر الى قبول أو غض الطرف عن سلوك كانت ترفضه وتجد نفسها عاجزة عن تغييره،فأنهم يمارسون التبريرات والاسقاطات التي تعطّل الضمير . وبما أن الفساد شاع سيكولوجيا واجتماعيا فان النصائح والمواعظ والتثقيف وخفض الرواتب الكبيرة لن تقضي عليه،لأن الضمير الذي يتوقف فيه نبض الحلال والحرام يصبح مثل قلب توقف.
محاربة الفساد..ليست سهلة
ان المعركة ضد الفساد تحتاج إلى"النضال الطويل والمكلف والمؤلم من أجل النجاح"،وفق ما يرى برتراند دو سبيفيل صاحب كتاب "OVERCOMING CORRUPTION" الذي يعد مرجعا أساسيا في مجال محاربة الفساد..بمعنى آنه لا يمكن الحصول على نتائج ذات أهمية دون "تحمّل وصبر" من مختلف المتدخلين خاصة المواطنين الذين يشكلون الضحية الأولى للفساد.ويشبّه (دو سبيفيل) الفساد بالداء المزمن والمستفحل الذي يحتاج علاجه إلى تضحيات جسام ليس أقلها الصبر للعلاج الكيميائي !.ويضيف بأن مكافحة الفساد تحتاج إلى..
· إستراتيجية وطنية ذات أهداف واضحة وقابلة للتحقيق تتأسس على ثلاثة مرتكزات تسند بعضها بعضا هي "التحقيق والملاحقة،والوقاية" عبر تطوير المساطر والأنظمة،ثم التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة،وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شرا لا بد منه او ترديد بعضهم (الضرورات تبيح المحضورات).
لنستفد من تجربة سنغافورة
تعد ّتجربة سنغافورة انموذجا لمكافحة الفساد ..فبها اصبحت انموذج الدولة الخالية من الفساد باعتمادها اجراءات بدأتها باستهداف قيادة الدولة حدد اهمها "سوه كيى هيين" مدير مكتب التحقيق السنغافوري لحالات الفساد،نورد اهمها في الاتي:
1 .عدم االسماح للمفسدين بالتمتع بما حصلوا عليه من مكاسب غير مشروعة،وفضحهم بجعل الناس تنظر لهم بوصفهم عارا على المجتمع.
2 .يفضي التعامل بجدية مع التقارير الخاصة بحالات الفساد الى جعل الناس يرصدونه ويكشفون عنه،ويفتح الطريق الى نجاحات متتالية في القضاء على الفساد.
3. لا توجد ممارسات الفساد معزولة عن غيرها،انما تتداخل مع نشاطات وممارسات اخرى.
4. ان الهدف من الاجراءات والوسائل الخاصة بمنع الفساد هو النظر اليه بانه ممارسة تحف بها مخاطر كبيرة ومكسب ضئيل.
5. تهدف محاربة الفساد في الحكومة الى المحافظة على ان تكون نظيفة تماما من الفساد .
6. تعدّ محاربة الفساد في القطاع الخاص ضرورة كبرى لتأمين نظافة النشاطات الاقتصادية في الدولة.
ونضيف اليها:
· الاسراع بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين تبدأ بمساءلة رؤساء الوزارت ووزراء المالية ورئيس هيأة النزاهة السابقين ،ليأخذ فيها كل فاسد ومفسد جزاءه بالعدل، وتسترد أمــوال الناس والوطن.
ان اعتماد ما ورد في التجربة السنغافورية وما تقدمنا بها من معالجات سابقة يمكن صياغتها في برنامج عمل تتفق عليه القوى السياسية وممثلو المتظاهرين ومنظمات المجتمع المدني..وبدونها تبقى التظاهرات لا تجدي نفعا،لأن الحكومة والبرلمان لن يستجيبا لمطالب المتظاهرين لسببين:لشعورهم بالامان في منطقة محصنة ومحمية بأكبر قوة في العالم،ولأن الغاء الرواتب التقاعدية لا يتم الا بتشريع..هم اصحابه!..فضلا عن حالة سيكولوجية هي :أن الفقير اذا استغنى واستمكن..انعدم ضميره.
*
تمنيات..لو تتحقق
تعهد السيد علي الزيدي رئيس وزراء العراق الجديد في منهاجه الوزاري بمكافحة الفساد. ولمعاليه نذكّر بأن رئيس الوزراء الأسبق..السيد حيدر العبادي كان قد تعهد في (2014) بأنه سيضرب الفساد (بيد من حديد)..وبعد ثلاثة اشهرعاد خائبا معترفا بأنه لا يستطيع لأن الفساد ( مافيا) ولدى الفاسدين فضائيات ومال وسلاح.. فهل يستطيع،معاليك، ان تفعلها كما فعلها حاكم سنعافورة ليكون العراق سنغافورة ثانية يتباهى به العراقيون؟.
نتمنى ذلك. لكن تشكيلتك لكابينة حكومتك أعاد للعراقيين شعورهم بتوالي الخيبات يشكل مجيؤك خيبة جديدة بلون جديد حجتهم في ذلك ..أن من اتى بك هم الفاسدون ،وليس بعاقل نكران نعمة من انعموا عليه وجعلوه الرجل الأول في الدولة العراقية.
سنرى ،والأيام بيننا..وعسى ان تكون بجانبك ليكون العراقيون مع اول حاكم نظيف بعد عشرين سنة من اغرب نظام ديمقراطي في العالم!
مؤسس ورئيس الجمعية النغسية العراقية
أمين عام تجمع عقول العراقي