في الولايات المتحدة حين تخسر الأجور معركتها أمام التضخم
محمد علي الحيدري
لم يعد التضخم في الولايات المتحدة مجرد رقم اقتصادي يُتداول في نشرات الأسواق وتقارير البنوك المركزية، بل تحول إلى أزمة سياسية واجتماعية تمس جوهر الاستقرار الأميركي. فالبيانات الأخيرة التي أظهرت ارتفاع التضخم السنوي إلى 3.8 بالمئة مقابل نمو الأجور بنسبة 3.6 بالمئة فقط ليست تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل إعلان واضح عن عودة تآكل القوة الشرائية للأميركيين بعد فترة قصيرة من التعافي النسبي.
هذه المعادلة البسيطة تحمل دلالة خطيرة: العامل الأميركي يخسر فعليًا جزءًا من دخله الحقيقي حتى وإن ارتفع راتبه اسميًا. وعندما تتراجع الأجور الحقيقية، تبدأ الطبقة الوسطى تحديدًا بالشعور بأن الاقتصاد لم يعد يعمل لصالحها، وهي اللحظة التي تتحول فيها الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية تهدد المزاج العام والاستقرار الانتخابي والثقة بالدولة ومؤسساتها.
اللافت أن هذه الموجة التضخمية لا تشبه موجات التضخم التقليدية الناتجة عن ارتفاع الطلب أو توسع الاستهلاك، بل ترتبط بصورة مباشرة بصدمة طاقة جيوسياسية سببها الحرب مع إيران وما نتج عنها من اضطراب في إمدادات النفط وإغلاق مضيق هرمز. هنا تكمن خطورة المشهد؛ لأن الاقتصاد الأميركي، رغم كل شعارات التحول نحو الطاقة النظيفة، ما يزال شديد الحساسية تجاه سوق النفط العالمية.
حين ترتفع أسعار الطاقة بنسبة تقارب 18 بالمئة وأسعار الوقود بأكثر من 28 بالمئة خلال فترة قصيرة، فإن التأثير لا يبقى محصورًا بمحطات البنزين. الطاقة تدخل في كل شيء: النقل، الصناعة، الزراعة، التدفئة، الخدمات، وحتى أسعار الغذاء. لذلك فإن ما يبدو في ظاهره “أزمة وقود” يتحول سريعًا إلى تضخم شامل يضرب كامل الدورة الاقتصادية.
الأخطر أن سوق العمل الأميركي لم يعد بالقوة التي كان عليها بعد جائحة كورونا. ففي السنوات الماضية كان العمال يعوضون التضخم عبر الانتقال إلى وظائف أفضل أو فرض زيادات أعلى في الرواتب نتيجة نقص اليد العاملة. أما اليوم، فقد بدأ سوق العمل يفقد زخمه تدريجيًا، وأصبحت قدرة العمال على التفاوض أضعف، ما يعني أن التضخم الحالي يأتي في لحظة تراجع نسبي للقوة التفاوضية للطبقة العاملة.
اقتصاديًا، هذا الوضع يعيد إلى الأذهان شبح “الركود التضخمي”، وهو السيناريو الأكثر رعبًا للبنوك المركزية والحكومات معًا: نمو اقتصادي ضعيف، تضخم مرتفع، وأجور عاجزة عن اللحاق بالأسعار. وهي الحالة التي ضربت الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي وأدت آنذاك إلى اضطرابات اقتصادية وسياسية عميقة.
المشكلة أن أدوات المواجهة تبدو محدودة. فإذا رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة أكثر لمحاربة التضخم، فإنه يخاطر بإبطاء الاقتصاد وزيادة احتمالات الركود. وإذا خفف التشدد النقدي خوفًا على النمو، فإنه يمنح التضخم فرصة للترسخ مجددًا. أي أن واشنطن تجد نفسها اليوم أمام مأزق اقتصادي كلاسيكي: كيف تُخفض الأسعار من دون خنق الاقتصاد؟
سياسيًا، تبدو التداعيات أكثر حساسية. فالمواطن الأميركي لا يقيس نجاح الاقتصاد عبر مؤشرات وول ستريت ولا أرباح الشركات العملاقة، بل عبر سعر الوقود وفاتورة الغذاء والإيجار. وعندما يشعر بأن راتبه لم يعد يكفي كما كان، تتراجع ثقته بكل الخطابات الرسمية مهما بدت مطمئنة.
لهذا فإن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة أرقام، بل اختبار حقيقي لقدرة النموذج الاقتصادي الأميركي على حماية طبقته الوسطى في زمن الصدمات الجيوسياسية الكبرى. وإذا استمرت الحرب واضطراب أسواق الطاقة، فإن واشنطن قد تجد نفسها أمام موجة استياء اجتماعي وسياسي أعمق بكثير من مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار.