وداعاً (ذاكرة المحلات)
عبد المنعم حمندي
رحل الذي كانت بغداد تمشي في عروقه كما يمشي دجلة في قلب الرصافة. ترجل اليوم شيخ المؤرخين المحبين، الأستاذ رفعت مرهون الصفار، بعد قرابة قرن من «العشق الميداني»، غادرنا جسداً وبقي صوته يتردد في كل زقاق (دربونة) كتب عنه، وفي كل حكاية بغدادية أنقذها من الضياع.
بغداد التي فقدت «حارس ذاكرتها»
لم يكن الراحل مجرد كاتب يجمع المعلومات، بل كان مؤرخاً بدرجة عاشق؛ استنطق الجدران، وشمّ رائحة التاريخ في «شناشيل» البيوت القديمة. برحيله، انطوت صفحة بيضاء من الوفاء للمدينة «المدورة»، هو الذي لم تغره المنافي، وظل وفياً لترابها حتى النفس الأخير.
إذا كانت الأجساد تفنى، فإن «محلات بغداد» ستبقى «هوية» لكل بغدادي، وشهادة ميلاد متجددة لأزقتنا التي كاد يمحوها الغبار. لقد ترك لنا الصفار:
خريطة وجدانية للمدينة، تتجاوز الأرقام والتواريخ لتصل إلى روح الناس وحكاياتهم.
درس في الصبر: 97 عاماً من العطاء والبحث الذي لم ينقطع، وكأنه كان يسابق الزمن ليوثق قبل أن يرحل.
«يا من كتبتَ عن المحلات، اليومَ تبكيكَ كل مَحلة..
من ( صبابيغ الال) إلى (سوق حنون وأبي سيفين وعقد النصارى وباب الشيخ)، ومن (الكاظمية) إلى (الأعظمية)، بغداد اليوم ليست حزينة فحسب، بل تشعر باليتم،
فقد رحل الابن البار الذي لم يملّ يوماً من مناداتها بكلمات الحب.» نعزي أنفسنا نحن أبناء بغداد بفقيدنا الغالي، ونعاهد روحه أن تبقى مؤلفاته منارة لكل من يبحث عن وجه بغداد الحقيقي. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجمع روحه الطيبة بمن أحب في جنات النعيم، بجوار الصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
إنا لله وإنا إليه راجعون.. وداعاً يا حارس التراث البغدادي.