الأدب بين بلاغة النص وفتنة الإسم
زهير جبر
لطالما قيل إن الأدب هو «صوت الروح» ومرآة العقل، لكن المتابع للمشهد الثقافي العربي المعاصر، وخاصة في فضاءات التواصل الاجتماعي ومنصات النشر الحديثة، يلحظ ظاهرة تبعث على القلق؛ ظاهرة تؤكد أن «الأنثى» لا تزال حاضرة في فكر الرجل لا بوصفها شريكاً في الفكر والإبداع، بل بوصفها «أيقونة» يُحتفى بها لعللٍ لا علاقة لها بجودة السطر أو عمق الفكرة.
*عقدة «الجنس اللطيف» في ميزان النقد
المشكلة ليست في حضور المرأة الكاتبة، بل في «رد الفعل» الذكوري تجاهها. فبينما يصارع الكاتب (الرجل) لانتزاع اعتراف نقدي أو التفاتة بسيطة لنصٍّ بذل فيه عصارة فكره، نجد الأبواب تُفتح والمباخر تُشعل لأسماء أنثوية لمجرد «الاسم» أو الصورة الشخصية الملحقة بالنص. هذا الاحتفاء المبالغ فيه، والذي غالباً ما يأتي من أدباء ونقاد يُفترض بهم الموضوعية، يعكس ازدواجية معايير مخيفة. وكأن العقل العربي لم يغادر بعد عهود الجهل والابتذال الجسدي، حيث يُقيّم العطاء بناءً على جنس المبدع لا على عبقرية الإبداع.
*تهميش المبدع.. حين يصبح الذكاء «ذنباً»
من المثير للسخرية والمرارة في آن واحد، أن تجد كاتباً يمتلك أدوات لغوية وفلسفية مدهشة، ومع ذلك يعيش في «عزلة ثقافية»، بينما تحظى خواطر إنشائية ركيكة بآلاف الإعجابات ومئات القراءات النقدية «المجاملة» فقط لأن كاتبها أنثى. إن هذا السلوك يكرس حالة من «السطحية الثقافية»، حيث يتحول النقد من «تشريح للنص» إلى «غزل مبطن»، ويتحول الأدب من «رسالة» إلى «وسيلة تقرّب».
*المتضرر الأكبر: الأدب نفسه
هذا الانحياز لا يظلم الرجل المبدع فحسب، بل يسيء للمرأة المبدعة حقاً؛ تلك التي تريد أن تُقرأ بعقلها لا بجنسها. عندما يتساوى الثمين والرخيص في سوق «المجاملات الأنثوية»، تضيع القيمة الحقيقية للأدب، ويصبح المشهد الثقافي عبارة عن «صالون اجتماعي» لا «محفل فكري».
*خاتمة: نحو أدب بلا هوية جندرية
إن الاستمرار في تقديس «الأنثى» في النص على حساب «النص» نفسه، هو عودة صريحة لعصور الانحطاط التي كانت ترى في المرأة جسداً لا عقلاً. الأدب الحقيقي هو الذي يسقط فيه اسم الكاتب وتتجلى فيه روعة المعنى. فمتى سيتوقف «حراس الثقافة» عن النظر إلى اسم الكاتبة قبل قراءة كتابها؟ ومتى سيعود الاعتبار للرجل الذي يكتب بدم قلبه، ولا يجد من يقرأ له في زحمة «الابتذال الثقافي»؟