إرهاب بلا رصاص
مجيد الكفائي
ليس كل إرهاب يُسمع صوته في الانفجارات فهناك إرهاب أهدأ لكنه أكثر التصاقًا بحياة الناس
ذاك الارهاب الذي يُدار بالخوف ويُغذّى بالغموض ويُكرَّس عبر قرارات مؤجلة وحياة معلّقة.
حصرُ الإرهاب في القتل فقط تبسيطٌ مريح جدا لمفهوم الارهاب لأنه يُعفينا من مواجهة أشكال أخرى أكثر انتشارا ً .
فحين يُدفَع الناس إلى الصمت خوفاً من المجهول وحين تتحول لقمة العيش إلى أداة ضغط وحين يصبح القلق هو القاعدة لا الاستثناء فنحن أمام ممارسة تُشبه الإرهاب في أثرها حتى إن خلت من الرصاص .
في العراق وبعد كل استحقاق انتخابي يتكرر المشهد ذاته :
زمن سياسي مفتوح على الانتظار وقرارات مؤجلة وتسويات تُطبخ بعيدا عن الناس .
هذه الحالة ليست تفصيلا إدارياً عابراً إنها نمط حكم يترك المجتمع معلقاً بين احتمالات متضاربة .
وفي هذا التعليق يتآكل الإحساس بالأمان تدريجياً
النتيجة ليست مجرد ضجر عام بل ضغط يومي حقيقي :
أعمال تتعطل، فرص تضيع، وخدمات تبقى رهينة شدّ الحبال . ومع كل يوم يمر بلا حسم يتسع هامش القلق وتضيق مساحة الثقة .
هنا لا يحتاج الخوف إلى تهديد مباشر يكفيه أن يكون حاضراً في كل تفصيلة صغيرة من الحياة .
قد لا يُصنَّف هذا كعنف صريح لكنه ليس بريئاً .
إنه إدارة للأزمة على حساب الناس وتركهم يدفعون كلفة الفراغ . والأسوأ أنه يُطبع كأمر اعتيادي كأن انتظار المجهول قدرٌ لا خيار فيه .
المشكلة ليست في تعقيد السياسة بحد ذاته بل في تحويل التعقيد إلى ذريعة لغياب المسؤولية . فالدولة التي تعجز عن طمأنة مواطنيها أو تتأخر في حسم ما يمسّ حياتهم تفتح الباب لبيئة يسكنها الخوف دون طلقة واحدة .
توسيع مفهوم الإرهاب هنا ليس تجنياً بل تعريف حقيقي واخلاقي لكي نسمّي الأشياء بأثرها لا بشكلها .
فالإرهاب ليس فقط ما يقتل الجسد بل أيضاً ما يُنهك الروح ويُبقي الناس أسرى القلق والعوز .
الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحواجز ولا بغياب الانفجارات فقط بل بقدرة الإنسان على أن يخطط ليومه التالي دون خوف .
وما لم تُستعد هذه القدرة سيبقى الخلل قائما .