هرمز.. هل هو مستنقع لأمريكا؟
شيرزاد نايف
يقولون التاريخ يعيد نفسه، لكنني أقول أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتلو فصوله بلغة واحدة حين تكون القوة هي القلم الذي يكتب الحكاية، ومضيق هرمز اليوم ليس إلا مسرحاً قديماً تُعرض عليه مسرحية جديدة، أبطالها تغيروا لكن المخرج واحد، فمنذ أن اكتشف الإنسان أن الجغرافيا قدر، وأن الممرات المائية هي شرايين العالم، أدرك أن من يمسك بالشريان يمسك بالحياة، وإيران تظن أنها تملك الورقة لأنها تجلس على فوهة هرمز، تنسى أن الجلوس على فوهة بركان لا يعني التحكم بانفجاره، بل يعني أنك أول من يحترق، فالقوة ليست في التهديد بإغلاق المضيق، القوة في القدرة على إبقائه مفتوحاً رغم من يريد إغلاقه، وهنا تسقط أوهام طهران كما سقطت أوهام بغداد من قبل، فالعالم ما زال يذكر كيف وقفت أمريكا في 1991 أمام رابع جيش في العالم، جيش صدام الذي ابتلع الكويت في ساعات وظن أن النار ستحرق أصابع من يقترب منه، فجاءت «عاصفة الصحراء» لتثبت أن الجيوش التي تُبنى على الشعارات تسقط أمام الجيوش التي تُبنى على التكنولوجيا، وأن الصحراء التي اعتبرها صدام مقبرة للغزاة تحولت إلى معرض مفتوح للدبابات المحترقة، والقصة ذاتها تُكتب اليوم بحبر مختلف، فإيران التي تلوّح بصواريخها وتُراهن على الفوضى الإقليمية تغفل عن قانون بسيط يحكم صراع الأمم: البحر لا يحكمه من يسكن على شاطئه، بل من يملك أساطيله، وواشنطن لم تترك محيطاً إلا وزرعت فيه حاملة طائرات، ولم تترك مضيقاً إلا وجعلت عبوره جزءاً من عقيدتها العسكرية، فهل يُعقل أن من أسقط بغداد في واحد وأربعين يوماً، وأسقط كابول في أسابيع، وأسقط طرابلس دون أن تطأ قدم جندي واحد أرضها، سيغرق في مياه هرمز الضحلة؟ إن منطق القوة لا يعترف بالأماني، فأمريكا حين تدخل حرباً لا تدخلها لتتعادل، تدخلها لتُعرّف العالم من جديد على معنى كلمة «انتصار»، قد تخسر جولة في الإعلام، قد تتعثر في وحل السياسة، لكنها في نهاية المطاف تملك ما لا تملكه إيران: القدرة على تحويل الخسائر التكتيكية إلى نصر استراتيجي، فإيران إن أغلقت المضيق ستموت هي أولاً، لأنها دولة تتنفس النفط، وأمريكا إن قررت فتحه بالقوة فستفتحه وتجعل من حطام الزوارق الإيرانية نصباً تذكارياً في قاع الخليج، مثلما جعلت من طريق الموت بين الكويت والبصرة درساً يُدرّس في الكليات العسكرية، فلا يوجد مستنقع لأمة تعرف كيف تجفف المستنقعات قبل أن تخوضها، ولا يوجد موت سريري إلا لمن يظن أن الجغرافيا وحدها تصنع النصر، والحقيقة التي يهرب منها ملالي طهران هي أن الزمن لم يعد في صالحهم، فكل يوم عقوبة، وكل يوم تكنولوجيا جديدة تخرج من مصانع الغرب، وكل يوم يزداد الفارق بين من يملك السماء وبين من يختبئ في الكهوف، ولهذا فإن مضيق هرمز لن يكون مستنقعاً لأمريكا، لأنه ببساطة لا يغرق فيه إلا من لا يجيد السباحة في بحار التاريخ، أما الموت السريري فهو قدر من يراهن على أن العالم سيتوقف لأن دولة واحدة قررت أن تنتحر على أبواب المضيق، وكما انتصرت أمريكا على العراق حين ظن العالم أنها ستستنزف، ستنتصر غداً لأنها وحدها من يكتب شروط النهايات.