الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عسكرية .. كلاكيت ثاني مرة

بواسطة azzaman

عسكرية .. كلاكيت ثاني مرة

علي حجارة

 

مساءً .. إن شاءت المصادفة أن تسير بعجلتك في مناطق بغداد،كرخها ورصافتها، فمن غير المعقول أن لاترصد الصورة المكررة لمئات الشباب الذين يتشاركون صناعة غيمة دخانية في مقهى ما .. شيشة، سيكارة ألكترونية أم سكائر ملفوفة، إضافة لطاولة بسيطة وشاشة كبيرة تعرض مباريات الدوريات العالمية الكبرى، مع لعبة دومينو أو ورق لعب متفرق .. هذا هو كل ما يتطلبه الأمر لصناعة تلك الصورة المكررة في مساءات العاصمة .. وهو أيضاً أحد المؤشرات الأهم لبيان بطالة وبطلان جيل كامل يلجأ إلى فعاليات اللهو المسائية بوصفها روتيناً يومياً لا وقتاً للراحة يأتي بعد عمل طويل وجهد ذي معنى... أضف إلى كل ما سبق المؤشرات الخطيرة الأخرى التي تُبين كسل جمع غفير من الشباب وربما تراجعه الخطير عن المفاهيم الطبيعية الأساسية التي يجب أن يزاولها، وعلى رأسها المسؤولية ( الفردية والاجتماعية )، وفهم المعــــنى من وجوده ( الفردي والاجتماعي أيضاً )، وهنا لايمكن بأي حال من الأحوال إلقاء اللوم على هذا الجيل بقدر أن نفهم بأن سلوكه كاملاً ما هو سوى نتاج تأثير حركة عالمية تجارية مؤسساتية عملاقة تُشجع على الأنا وفهم الحياة بصورة فردية كي تبيع أكثر، فكل شيء يتمحور حول شعور النجومية المُزيف الذي يقود في النهاية إلى الاسترخاء والركون إلى تعويض الفشل باللهو والشراء ثم الشراء ثم الشراء.. والكلام عن الأسباب الأخرى كثير ولايطول المقال لذكره، لكن في المقابل سنناقش الحل غير المبتكر الذي توصل إليه البرلمان العراقي بشأن معالجة انعدام الحس بالمسؤولية مع ( زيادة ميوعة ) هذا الجيل ..إن صح التعبير عن الأمر بذلك ..

قدم البرلمان العراقي مقترحاً للتجنيد الإلزامي الذي من المفترض أن يعالج كل ما سبق، وكأنه لا يعرف تاريخ بلد كامل وعلاقته بالعسكرة والتجنيد وكل ما يرتبط بالتحشيد والتجييش، وكأنه لايعرف أيضاً بأن مسألة تقديم طريقة لتقوية الجيل الجديد ذهنياً لاترتبط بالانضباط العسكري بقدر الانضباط الذهني ... وفي الواقع ربما يجهل من قدم المقترح ذلك .. كما جهله بأن العسكرة في هذه البلاد قد استهلكت الفكر الجمعي، ونسأل هنا ..ألم تملّوا من طحن الشباب جيلاً بعد جيل بدفعهم للتحشيد بوصفه حلاً لضياعهم ..ألم يكن من الأجدى أن ( أكرف ) كل هذه الأبدان العاطلة من المقاهي وأضعها في معامل تنتج ما يُمثل صورة بلد مُتقدم ؟، ألم يكن من الأجدى أن أضع كل فردٍ فيهم في مواقع قيادية بدل التمسك بعواجيز الجيل القديم؟، ألم يكن من الأفرض أن أهيئ المشاريع التقنية الحقيقية التي تأويهم بدل عوالم الدخان والشيشة كي يدعموا جيشاً متطوراً لايعتمد على الأسلحة التي أكل عليها الزمن وشرب ؟.

اجيال مقبلة

أن تُنقذ هذا الجيل لا يعني عسكرته .. فقد اهترأت ذاكرتنا بمعارك لاتنتهي، وبدل أن تعيد المفاهيم القديمة لكي تعيش وتتغلغل في الأجيال المقبلة، لنزرع ما يؤكد أن لنا جذوراً تمتد لـ 7000 سنة مضت، فماذا عن مشروع يؤهل الشباب وطنياً وفكرياً وبدنياً دون ( يس ... يَم ) ؟، أليس بالإمكان ( ونحن شعوب تعودنا على الكوبي بيست ) أن ننسخ بعض تجارب الدول المتقدمة الأخرى في ذلك، خذ على سبيل المثال ما فعلته ألمانيا، منذ عام 2011، إذ علّقت التجنيد الإلزامي واستبدلته ببرنامج ضخم للخدمة المدنية اسمه «الخدمة التطوعية الاتحادية» (Bundesfreiwilligendienst). ، وفيه ينخرط الشباب في مشاريع اجتماعية، بيئية، ثقافية، أو تعليمية (كرعاية كبار السن أو حماية المحميات الطبيعية)، كما يحصل المتطوع على «مصروف جيب»، تأمين صحي، وشهادة خبرة تعزز سيرته الذاتية.

أما في فرنسا وبعد إلغاء التجنيد في عام 1996، أطلقت الدولة مؤخرًا مبادرة جديدة تهدف لتعزيز التماسك الوطني وهي خدمة الوطنية الشاملة (Service National Universel).إذ يستهدف المراهقين (15-17 سنة) لمدة شهر مقسمة بين معسكر تدريبي مدته أسبوعين، وأسبوعين آخرين مخصصين للعمل التطوعي في جمعيات أو قطاعات الدفاع المدني، والهدف فيه هو التركيز على الإسعافات الأولية، حماية البيئة، والوعي بالقيم الوطنية بدلاً من التدريب القتالي التقليدي.

وربما تعد تايوان هي التجربة الأنجح في ذلك عالمياً وذلك بتحويل فكرة المُجند إلى عنصر مدني يسعى لتطوير مؤسسة الدولة ضمن مشروع استبدال التجنيد الذي بدأ منذ 25 عاماً. فيُسمح للشباب من ذوي المهارات العالية بأداء خدمتهم في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل TSMC بعد تدريبهم بوصفهم باحثين ومطورين، ما يؤول إلى دعم الاقتصاد الرقمي للدولة.

 نعم .. الأمثلة كثيرة ويمكن تطبيقها لو أراد المُشرّع .. لكننا هنا أمام من يؤمن إيماناً تاماً بتطبيق ما عمد إليه السلف دون التفكير خارج الصندوق أو نقل تجارب ناجحة لدول أخرى، مع محاولات مستمرة لإيجاد حلول سريعة ( حارة ومكسبة ) ربما لن تكون ( رخيصة ) أبداً على مستوى السعي لصناعة جيل قوي في المدى البعيد .. 

 

 


مشاهدات 47
الكاتب علي حجارة
أضيف 2026/04/27 - 2:49 PM
آخر تحديث 2026/04/28 - 4:36 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 753 الشهر 24984 الكلي 15243057
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير