أغلقنا باب التوبة والفضائح مسرح
نهاد الزركاني
لم تُقاس المجتمعات يومًا بعدد أخطائها، بل بطريقة تعاملها معها: هل تُصلح الخطأ أم تحوّله إلى عرض للفضائح، حيث يصبح الإنسان مكشوفًا أمام الجميع؟
في زمن المنصات الرقمية، صار الإنسان [هشًّا]، تُسحب خصوصيته إلى الضوء، وتُعرّى كرامته باسم الحقيقة، ويُقدَّم للمجتمع مادة للاستهلاك الأخلاقي. لم يعد الخطأ حدثًا فرديًا، بل صار فرجة جماعية، وكأن الانكسار الشخصي أصبح ترفيهًا للآخرين. مع كل اسف ...
حماية الفرد
الستر الاجتماعي ليس ضعفًا، بل ثقافة ووعي، حماية للفرد من الانكسار النفسي والاجتماعي، ومنحه فرصة للإصلاح والتعلم. وعندما (نفضح الآخرين) بلا رحمة، نغلق أمامهم أعظم باب مفتوح: باب (التوبة والندم. الله لم يغلقه)، لكننا نحن من حرّمنا عليه فرصة أن يتدارك خطأه، وصرنا نحن ((الحكم والمشنقة)) في الوقت نفسه.
[العيب] كان ذاكرة المجتمع الأخلاقية، أداة ضبط غير مكتوبة تذكر الإنسان بحدوده وتحفظ صورته الذاتية. حين [سقط العيب] صار الإنسان مكشوفًا، وصار الحياء تهمة، والستر ضعفًا. اليوم، يراقب الناس أخطاء بعضهم كمتفرجين، ويصبح الفشل الفردي مسرحًا للمتعة الرقمية، بينما الأخلاق الحقيقية((الرحمة والستر))تبدو غريبة.
الأخطر أن ثقافة الفرجة لم تعد مقتصرة على الفضول الفردي؛ بل تحولت إلى صناعة رقمية. مقطع فيديو واحد، أو صورة منزوعة السياق، كافية لإدانة شخص اجتماعيًا، دون تثبت أو ضمير. النتيجة؟ تحقير جماعي، انهيار ثقة الإنسان بنفسه، وخوف دائم من أن يصبح أي خطأ مادة للعرض.
في ظل إعادة تعريف القيم: الشفافية صارت تعرية، الصراحة وقاحة، الحرية سحقًا للخصوصية، والستر تواطؤًا. (المجتمعات لا تنهار حين يخطئ أبناؤها، بل حين تفقد القدرة على الإصلاح) وتستبدل الرحمة بالتشهير، والوعي بالفرجة. فالستر على عيوب الناس ليس ضعفًا، بل أداة لبناء مجتمع قادر على التعلم من الأخطاء دون تحطيم أفراده.
لمعالجة هذه الظاهرة، يحتاج المجتمع إلى:
☆وعي رقمي وأخلاقي: تعليم الأجيال التعامل مع المعلومات والفضائح بضمير ونقد، وعدم التسرع في الحكم على الآخرين.
☆ثقافة المساءلة المسؤولة: التفريق بين كشف الحقيقة للمعالجة وبين التشهير للمتعة.
☆حماية الخصوصية الفردية: قوانين وأعراف تحمي الإنسان من الانكشاف غير الضروري، مع ضمان حقوقه في التوبة والإصلاح.
مسرح للعار
حين يُستبدل 《الستر بالتشهير》 يصبح كل إنسان عُرضة للانكسار، ويصبح المجتمع مسرحًا للعار الجماعي، بدلاً من أن يكون شبكة حماية للأفراد وقيمتهم الإنسانية. فالستر، منقوش في جوهر الاسم (الستار) هو أعلى درجات الرحمة المجتمعية ووعي الضمير، وغيابه يعني انحدارًا أخلاقيًا لا يرحم وغلقًا لأبواب التوبة التي لم يغلقها الله يومًا.