الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النظارات الذكية والتصوير الخفي.. التكييف القانوني لجرائم إنتهاك الخصوصية

بواسطة azzaman

النظارات الذكية والتصوير الخفي.. التكييف القانوني لجرائم إنتهاك الخصوصية

أثير هلال الدليمي

 

شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا متسارعًا لما يُعرف بالنظارات الذكية، وهي أجهزة قابلة للارتداء تجمع بين الكاميرا والميكروفون وتقنيات الذكاء الاصطناعي في إطار يبدو عاديًا وغير ملفت، هذا التحول التقني نقل عملية التصوير من فعل ظاهر يمكن إدراكه بسهولة « كما في الهواتف المحمولة» إلى نشاط خفي قد يتم دون علم أو موافقة الأشخاص المحيطين، وقد أفرز هذا الواقع إشكالية قانونية معقدة تتعلق بالتكييف القانوني لجرائم انتهاك الخصوصية، خاصة في حالات التصوير الخفي باستخدام هذه الأجهزة.

من الناحية التقنية، تتميز النظارات الذكية بقدرتها على التسجيل المستمر أو الفوري عبر أوامر صوتية أو حركات بسيطة، وهو ما يزيل الحاجز النفسي والزمني بين الرؤية والتوثيق.

ان هذه الخاصية تجعل من السهل التقاط صور أو تسجيل مقاطع فيديو وصوت دون إثارة انتباه الغير، خصوصًا وأن تصميمها أصبح قريبًا جدًا من النظارات التقليدية، بحيث يصعب تمييزها؛ لاسيما وان هذا “الإخفاء التقني” هو ما يمنحها الخطورة القانونية، التي تحولها من وظيفتها العادية إلى وسيلة مراقبة كامنة.

يشير الواقع العملي، الى ظهور حالات متعددة لاستخدام هذه النظارات في تصوير أشخاص دون علمهم، ثم نشر تلك الصور والمقاطع على منصات التواصل الاجتماعي، وقد أُثير جدل واسع مؤخرًا حول استخدام بعض النظارات الذكية في تصوير نساء في أماكن عامة دون موافقتهن، ثم نشر هذه المقاطع لاحقًا، ما أدى إلى حالة من القلق المجتمعي حول حدود الخصوصية في الفضاء العام .

هذه الوقائع تكشف أن الإشكال لم يعد نظريًا، بل أصبح ممارسة واقعية تستدعي تدخلًا قانونيًا واضحًا.

جوهر المشكلة

من حيث التكييف القانوني، فإن جوهر المشكلة لا يتعلق بملكية الجهاز أو مشروعية اقتنائه، بل بكيفية استخدامه. فالقانون في أغلب الأنظمة لا يجرّم “النظارات الذكية” بذاتها، وإنما يجرّم الأفعال المرتبطة بها، مثل التسجيل دون إذن أو انتهاك الخصوصية، وبالتالي يمكن تكييف التصوير الخفي عبر هذه الأجهزة ضمن عدة أوصاف قانونية، أبرزها جريمة انتهاك الخصوصية، وجريمة التنصت غير المشروع إذا تم تسجيل الصوت، وكذلك جرائم التلصص أو التصوير في أماكن ذات خصوصية مشددة مثل المنازل أو غرف تبديل الملابس.

يقوم التكييف القانوني في هذا السياق على معيار جوهري هو “التوقع المعقول للخصوصية”. فإذا تم التصوير في مكان خاص أو في سياق يتوقع فيه الشخص عدم المراقبة، فإن الفعل يُعد انتهاكًا صريحًا حتى لو لم يُستخدم الجهاز بشكل ظاهر.

أما في الأماكن العامة، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، إذ إن الأصل أن التصوير قد يكون مباحًا، لكن استخدام وسيلة خفية لتسجيل الصوت أو استهداف أشخاص بعينهم بشكل غير مشروع قد ينقل الفعل إلى دائرة التجريم، ولايفوتنا الاشارة الى ان مسألة “الرضا” تلعب دورًا محوريًا في التكييف القانوني، حيث إن العديد من القوانين تشترط موافقة الأطراف على التسجيل، خاصة فيما يتعلق بالصوت،

وعليه، فإن تسجيل محادثة دون علم أحد أطرافها قد يُعد جريمة، حتى وإن تم في مكان عام، وذلك لأن القانون يحمي الخصوصية وسرية التواصل الإنساني وليس فقط المكان الذي يحدث فيه.

لايفوتنا ذكر ان الامر لا يقتصر على فعل التسجيل ذاته، بل يمتد إلى مرحلة استخدام البيانات، حيث إن نشر الصور أو المقاطع دون إذن قد يشكل جريمة مستقلة تتعلق بالتشهير أو انتهاك الحق في الصورة أو إساءة استخدام البيانات الشخصية. وفي بعض الحالات، قد تتفاقم المسؤولية إذا استُخدمت هذه المقاطع في الابتزاز أو الإساءة أو تحقيق مكاسب مالية.

إن أحد أبرز الإشكالات القانونية التي تثيرها هذه التكنولوجيا هو وجود “فراغ تشريعي نسبي”، إذ إن العديد من القوانين الحالية وُضعت وشرعت في سياق التقنيات التقليدية ولم تأخذ بعين الاعتبار ان الأجهزة القابلة للارتداء قادرة على التسجيل الخفي والمستمر، لذلك، غالبًا ما يتم تطبيق قواعد عامة على حالات جديدة، وهو ما يؤدي إلى تفاوت في التفسير والاجتهاد القضائي، مما يستدعي تطوير أطر قانونية أكثر تحديدًا تتناسب مع طبيعة هذه التقنيات.

وعي قانوني

على المستوى التوجيهي، يبرز دور الوعي القانوني كخط دفاع أول في مواجهة هذه الظاهرة؛ فالمستخدم لهذه الأجهزة يجب أن يدرك أن سهولة التسجيل لا تعني مشروعيته، وأن التصوير دون إذن – خاصة في سياقات شخصية أو شبه خاصة – قد يعرّضه لمسؤولية جنائية ومدنية، كما يُنصح بعدم تسجيل أي محادثة دون الحصول على موافقة صريحة، وعدم نشر أي محتوى يتضمن أشخاصًا دون إذنهم، حتى لو تم التقاطه في مكان عام.

أما بالنسبــــــــــة للأفراد، فإن الحذر أصبح ضرورة في ظل هذا الواقـــــع التقني ومن المهم والواحب الانتباه إلى البيئة المحيطة، خاصة في الأماكن المغلقة أو الحساسة.

وفي الختام، لايفوتنا القول الى ان النظارات الذكية كشفت لنا عن تحول نوعي في طبيعة جرائم انتهاك الخصوصية، حيث لم يعد الانتهاك يتطلب أجهزة معقدة أو سلوكًا واضحًا، بل يمكن أن يحدث بشكل صامت وغير مرئي، وعليه يتوحب على المشرع ان يسعى الى تطوير القانون وبما يتناسب مع التطور التكنولوجي السريع، وعلى الأفراد أن يكونوا أكثر وعيًا، لأن الخصوصية في العصر الرقمي لم تعد مجرد حق، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين المستخدم والتشريع والمجتمع.

 

دكتوراة في القانون الدولي العام  باحث في الأمن السيبراني

 

 


مشاهدات 50
الكاتب أثير هلال الدليمي
أضيف 2026/04/20 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/04/21 - 2:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 146 الشهر 17467 الكلي 15235540
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير