الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق خارج النار - كيف انتصر قرار الدولة على منطق الاستدراج

بواسطة azzaman

العراق خارج النار - كيف انتصر قرار الدولة على منطق الاستدراج

محمد علي الحيدري

 

نجا العراق في الحرب الأخيرة، لا لأن الخطر كان أقل، بل لأن قرار التورّط لم يُتخذ. في منطقة تُدار فيها الأزمات عادة بمنطق ردّ الفعل، اختار العراق هذه المرّة منطق الامتناع الواعي، وهو خيار سياسي نادر في بيئة إقليمية تميل إلى الانجرار لا إلى التحصّن.

منذ اللحظات الأولى للتصعيد، كان واضحًا أن بغداد تقف أمام اختبار سيادي بالغ الحساسية. فالعراق ليس دولة على هامش الصراع، بل يقع في قلب تقاطعاته الجغرافية والسياسية والعسكرية. ومع ذلك، جرى التعامل مع اللحظة بوصفها تهديدًا وجوديًا للدولة لا فرصة لتسجيل المواقف. هنا تحديدًا برز دور رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، الذي أدرك أن أخطر ما في الحرب ليس ما يجري خارج الحدود، بل ما يمكن أن ينفلت داخلها.

لم يقدّم السوداني نفسه طرفًا في محور، بل مدير أزمة. فتح قنوات متوازية مع واشنطن وطهران، وأعاد التأكيد على أن الأرض العراقية ليست منصة رسائل متبادلة ولا ساحة تصفية حسابات. هذا السلوك لم يكن حيادًا سلبيًا، بل تموضعًا سياديًا محسوبًا - دعمًا سياسيًا للقضايا الإقليمية دون ترجمتها إلى أفعال عسكرية تجرّ البلاد إلى مواجهة لا طاقة لها بها.

في العمق السياسي، وفّر الإطار التنسيقي غطاءً لا يمكن التقليل من أهميته. فقوى اعتادت الاختلاف عند التفاصيل الكبرى، توافقت هذه المرّة على أولوية واحدة: بقاء الدولة خارج الحرب. هذا التوافق لم يكن نابعًا من انسجام أيديولوجي، بل من إدراك مشترك لكلفة الانفلات. فالعراق اليوم ليس في وضع يسمح له بتحمّل حرب إقليمية بالوكالة، لا اقتصاديًا، ولا اجتماعيًا، ولا أمنيًا.

أما العقدة الأكثر حساسية، فكانت في سلوك الفصائل المسلحة. هنا لم يكن الرهان على البيانات، بل على القرار الميداني. التزام قيادات وازنة داخل الحشد الشعبي بسقف حكومي غير معلن، وتجميد العمليات التي قد تستدعي ردًا أميركيًا واسعًا، شكّل عنصرًا حاسمًا في منع الانزلاق. الفصل بين الخطاب التعبوي والقرار العسكري لم يكن تفصيلًا، بل كان الفارق بين احتواء الأزمة وتفجيرها.

وفوق السياسة والسلاح، جاء العامل الديني ليحسم المعنى العام للموقف. إشارة المرجعية العليا في النجف، ممثلة بسماحة السيد علي السيستاني، لم تكن بحاجة إلى بيان صريح. رسالتها التقليدية - حماية الدولة، وتقديم مصلحة الشعب، ورفض الزج بالعراق في صراعات الآخرين - كانت كافية لسحب الغطاء الأخلاقي عن أي مغامرة عسكرية. وفي بلد ما زال للمرجعية فيه وزن معنوي حاسم، شكّل هذا الموقف صمّام أمان فعلي.

اللافت أن ما جرى لم يكن انتصارًا صاخبًا، بل نجاحًا صامتًا. لم تُرفع رايات، ولم تُسجّل نقاط خطابية، لكن الدولة بقيت واقفة. وهذا بحد ذاته إنجاز في إقليم تُقاس فيه السياسات غالبًا بعدد الصواريخ، لا بعدد الحروب التي جرى تجنّبها.

في المحصلة، لم يمنع توريط العراق شخص واحد ولا مؤسسة واحدة، بل منظومة قرار أدركت أن السيادة لا تُثبت بالدخول في كل معركة، بل بالقدرة على اختيار المعركة التي لا تُخاض. العراق، في هذه الحرب، اختار أن يحمي نفسه أولًا - وربما كان ذلك أكثر قراراته شجاعة منذ سنوات.


مشاهدات 142
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/04/20 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/04/21 - 1:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 17406 الكلي 15235479
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير