الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 الأدب النسوي بدعة نقدية سوسيولوجية


 الأدب النسوي بدعة نقدية سوسيولوجية

عبد المنعم حمندي

 

 مصطلح الأدب النسوي ، يفتقر للدقة الفنية والجمالية؛ فـ "الأدب هو النص"، والمعيار الوحيد للحكم عليه هو جودته الإبداعية، لا هوية كاتبه. تسمية "أدب نسوي" هي بالفعل "بدعة نقدية" سوسيولوجية أكثر منها أدبية، وكأنها تحاول وضع الإبداع في زنازين ضيقة بدلاً من إطلاقه في فضاء الإنسانية الرحب.

​و يُعتبر هذا التصنيف مجحفاً وغير دقيق من وجهة نظر نقدية:

حين نصف عملاً بأنه "نسوي"، فنحن نعزله عن سياقه الفني العام، ونحرمه من المنافسة في ساحة الإبداع المطلق. النص الشعري الذي يكتبه مبدع أو مبدعة يجب أن يُقاس بمدى تمكنه من البحور الشعرية، وقوة الاستعارة، وابتكار الصورة.

فاللغة كينونة مشتركة بقواعدها، ومجازاتها، وعروضها، هي إرث مشاع للجميع. لا توجد "لغة ذكورية" وأخرى "نسوية"؛ بل توجد لغة جازلة قوية، ولغة ركيكة باهتة.

و الألم، الفرح، الاغتراب، والتوق للحرية هي مشاعر كونية. عندما نقرأ مرثية صادقة، لا يهمنا جنس من ذرف الدمع حبراً، بل يهمنا عمق الفجيعة وصدق التعبير.

​إن إصرار البعض على هذه التسميات قد يكون ناتجاً عن محاولات "تأطير" اجتماعية، لكن في ميزان النقد الأدبي الرصين، يبقى النص هو "سيد الموقف". قرأنا لمبدعات عربيات أعمالاً أدبية ولم نتوقف عند جنس المؤلف بقدر ما يمنحه العمل من أثر وانجاز. لقد قرأنا

لمي زيادة ،وسهير القلماوي، وسلمى الخضراء الجيوسي ،وسنية صالح ، ورضوى عاشور ،وفدوى طوقان ،ولميعة عباس عمارة وعادة السمان، وأحلام مستغانمي، ولطفية الدليمي، وثرية العسيلي، وكوليت خوري، ونادية خوست ،وبشرى البستاني، وانعام كججي وغيرهن ..

هذه الأسماء التي ذكرتها هي في الحقيقة أعمدة في هيكل الثقافة العربية، وتجاربهن تؤكد أن "النص هو الإبداع"؛ فالبصمة التي تركتها كل واحدة منهن لم تكن مرتبطة بكونها امرأة بقدر ما كانت مرتبطة بامتلاكها لمشروع أدبي وفكري متكامل.

 المبدعات اللواتي مررنا بذكرهن، من مي زيادة وصولاً إلى لطفية الدليمي، لم يستمددن قوتهن من كونهن نساءً، بل من كونهن قامات أدبية استطاعت صياغة نصوص عصية على النسيان.

​إن حصر الأدب في تصنيفات "نسوية" أو "ذكورية" قد يؤدي إلى تحجيم النص وحبسه في إطار سوسيولوجي بدلاً من قراءته في سياقه الجمالي والفلسفي. الإبداع الحقيقي هو الذي يتجاوز البيولوجيا ليعبر عن الكوني والمطلق.

​الأدب في أصله هو محاولة للإجابة على الأسئلة الكبرى: الموت، الزمن، الوجود، والحرية. هذه الأسئلة لا تفرق بين رجل وامرأة؛ فالوجع الذي صاغه السياب أو المتنبي لا يختلف في جوهره عن الوجع الذي صاغته نازك الملائكة أو كوليت خوري.

​اللغة هي المادة الخام للأديب، وهي أداة طيعة لمن يمتلك ناصيتها. حين يكتب الأديب نصاً شعرياً قائماً على عمود الشعر أو البحور الصافية، فإن المقياس هنا هو "جزالة اللفظ" و"عمق الصورة"، وهي أدوات فنية متاحة للمبدع كونه إنساناً لا كونه جنساً معيناً.

​التصنيف إلى "أدب امرأة" قد يظلم المرأة المبدعة، لأنه يوحي ضمناً بأن نصها يحتاج إلى معايير نقدية خاصة أو "تخفيف" في الحكم، بينما النص القوي يفرض سطوته بمتانته اللغوية وابتكار صورته، سواء جاء من نون النسوة أو غيرها.

فالنص الأدبي في نهاية المطاف يُحاكم بجمالياته، ولغته، وقدرته على ملامسة الوجدان، بغض النظر عن جنس كاتبه. تصنيف "أدب المرأة" قد يبدو أحياناً كأنه يحصر نتاج المرأة في إطار ضيق، بينما الإبداع فضاء مطلق لا يعترف بالحدود الجندرية.

 أن قوة نصوصهن هي التي أرغمت النقد على الاعتراف بهن كمبدعين فوق التصنيف!

 


مشاهدات 54
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/04/18 - 5:56 AM
آخر تحديث 2026/04/18 - 8:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 268 الشهر 14772 الكلي 15232845
الوقت الآن
السبت 2026/4/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير