الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا تعيد ثقافةٌ  التضحية معنى تشكيلَ الشرق الأوسط؟


سايكولوجية الهوية الشيعية: الهوية التي أساء الغرب فهمها

لماذا تعيد ثقافةٌ  التضحية معنى تشكيلَ الشرق الأوسط؟

 عمار رياض لفتة

 

على مدى عقود، اعتمد صانعو القرار الأميركيون والغربيون على معادلة مألوفة: يمكن الضغط على الدول والحركات عبر أداتين أساسيتين هما المال والقوة العسكرية. وكان الافتراض بسيطًا ومريحًا في آنٍ واحد: كل فاعل سياسي، في النهاية، يخشى الموت ويسعى وراء المكاسب المادية. لكن هذا الافتراض بدأ يتآكل تدريجيًا أمام واحدة من أكثر الظواهر التباسًا في الفهم الغربي داخل الشرق الأوسط، وهي الهوية الشيعية التي تشكّلت عبر ثقافة لا تنظر إلى التضحية بوصفها خسارةً دائمًا، بل بوصفها معنى وكرامة.

لقد أصبحت هذه الهوية، والبنية النفسية التي تدعمها، من أكثر المتغيرات التي أُسيء تقديرها في السياسة الخارجية الأميركية. فالمشكلة لم تكن في نقص القوة، بل في قصور القراءة. إذ إن جزءًا مهمًا من السلوك السياسي الشيعي لا يتحرك بمنطق المصلحة المادية وحدها، بل بمنطقٍ يمزج الذاكرة بالكرامة، والعقيدة بالهوية، والانتماء بالواجب.

في قلب هذه الهوية تقف مقولات وشخصيات ورموز تأسيسية أعادت تعريف الخوف والألم والموت في الوعي الجمعي. وضمن هذا الإطار، لا يعرف الفرد نفسه من خلال إنجازه الشخصي أو نجاحه المادي فقط، بل من خلال التزامه برسالة أخلاقية أوسع من ذاته. ويُقاس معنى الحياة، هنا، لا بطولها ولا بمستوى الراحة فيها، بل بمدى الثبات على المبدأ. وضمن هذا المنطق، يصبح الموت في بعض السياقات التعبوية ليس نهايةً للهوية، بل امتدادًا لمعناها.

وهذا ليس مجرد خطاب عاطفي، بل بنيةٌ تنعكس في السلوك السياسي والاجتماعي لدى بعض الجماعات الشيعية المؤدلجة أو التعبوية في العراق وإيران ولبنان واليمن. ففي هذه البيئات، لا تكون المصلحة المادية دائمًا هي الدافع الحاسم، بل ما يمكن وصفه بـ الدافعية الدينية-الرمزية؛ أي تلك القوة النفسية التي تتجاوز الذات الفردية، وترفع المبدأ الجمعي فوق الحسابات الضيقة. ولهذا تصمد حركات متجذّرة في هذا الوعي أمام ضغوط قد تكون كافية لتفكيك تنظيمات سياسية تقليدية.

أما الركن الثاني في هذه الهوية فهو الانتماء الجمعي؛ إذ يرى الفرد نفسه جزءًا من مسيرة تاريخية كبرى، تبدأ من عليّ بن أبي طالب بوصفه رمزًا للعدالة والمعيار الأخلاقي في الوجدان الشيعي، وتمرّ بكربلاء بوصفها الذاكرة التي حفظت للحقّ دمه ووعيه، وتمتدّ نحو المهدي بوصفه وعدًا أخلاقيًا وتاريخيًا بانتصار العدل على الظلم. وهذا الإحساس بالاستمرارية يُنتج ما يمكن تسميته بهوية التضحية من أجل الجماعة، وهي منظومة قيم تعطي الأولوية لبقاء الرسالة وحفظ المعنى الأخلاقي المشترك.

وفي الممارسة العملية، يولّد هذا الانتماء مستويات عالية من التماسك والصلابة. وربما يكون البعد الأكثر صعوبة على المحللين الغربيين هو فهم العلاقة بين الألم والمعنى. ففي الثقافة السياسية الغربية الحديثة، يُنظر إلى الألم غالبًا باعتباره عائقًا أو خللًا يجب تقليصه. أما في المخيال الشيعي، فالألم يمكن أن يكون علامةَ صدقٍ، ومدرسةَ صبرٍ، وجسرًا إلى المعنى. ومن هنا، فإن الطقوس الشيعية، من المجالس إلى المواكب والتشابيه، ليست مجرد بقايا حزن، بل أدوات رمزية لتحويل الصدمة إلى هوية، والمعاناة إلى معنى، والذكرى إلى طاقة تعبئة.

ولهذا، فإن العقوبات أو الحصار أو القصف لا تنتج دائمًا الأثر المتوقع حين تُواجِه جماعاتٍ تقرأ الألم بطريقة مختلفة. فالمسألة هنا ليست اقتصادية أو عسكرية فقط، بل نفسية وثقافية أيضًا. الألم، في بعض هذه البيئات، لا يضعف الشرعية بالضرورة، بل قد يعيد إنتاجها ويمنحها عمقًا رمزيًا جديدًا.

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم القيادة شكلًا خاصًا. فالكاريزما لا تُبنى فقط على البلاغة أو المناورة السياسية، بل على استعداد القائد لتحمّل التضحيات التي يدعو أتباعه إليها. وبلغة ماكس فيبر، نحن هنا أمام نمط من الشرعية الكاريزمية يقوم على المخاطرة الشخصية والتجسيد العملي للقيم. فالقائد الذي يُنظر إليه بوصفه مستعدًا لدفع الكلفة، يصبح أكثر قدرة على إنتاج الولاء والتماسك، وتتحول شخصيته من موقع سياسي إلى مرجعية رمزية وأخلاقية.

وتحت كل ذلك تكمن آلية نفسية عميقة يمكن فهمها بمفهوم التسامي؛ أي تحويل الخوف من الموت والقلق الوجودي إلى قيمة مقدسة ومعنى أعلى. هنا لا يُنكر الخوف، بل يُعاد تفسيره، ويتحوّل الموت من تهديدٍ وجودي إلى تعبير عن غاية. وطالما ظلّت هذه الآلية فاعلة، فإن نماذج الردع التقليدية تفقد جزءًا من فعاليتها.

هذا هو، في جانب منه، العمى الاستراتيجي الذي ما تزال واشنطن تكافح معه. فسياسات صُمّمت لمجتمعات تخشى الموت وتسعى إلى الراحة لا يمكن أن تعمل بالوتيرة نفسها عندما تُطبّق على جماعات ترى في الموت احتمالًا أخلاقيًا، وفي المعاناة جزءًا من الشرعية الرمزية. وهذه الجماعات لا تبحث بالضرورة عن الصراع، لكنها ترفض أن يكون الخوف هو المحدد الأعلى لسلوكها. وهذا ما يجعل احتواءها أو توقع سلوكها أو إعادة تشكيلها مهمة أكثر تعقيدًا مما تفترضه الحسابات التقليدية.

إن التداعيات على السياسة الخارجية الأميركية عميقة. فلا يكفي الردع حين لا يكون الخوف هو المحرك الأساسي، ولا تكفي الحوافز حين لا تكون المصلحة المادية هي الميزان الوحيد. وهذا لا يعني أن على الولايات المتحدة تمجيد هذه الهوية أو شيطنتها، بل أن تفهمها. فطوال عقود، قرأت واشنطن السلوك السياسي الشيعي من خلال عدسات خارجية ومختزِلة، سنية أحيانًا، أو علمانية، أو غربية محضة. وكانت النتيجة سوء تقدير متكررًا في ملفات عدّة، من بغداد إلى بيروت، ومن صنعاء إلى طهران. لذلك، فإن فهم الجذور النفسية والثقافية لهذه الهوية لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة جيوسياسية.

توصيات للسياسة الأميركية في التعامل مع الجماعات الشيعية في الشرق الأوسط

في عالمٍ يعاد تشكيله مع تغير مراكز القوة وسقوط التقنيات القديمة، قد لا يكون اللاعبون الأكثر تأثيرًا هم الأغنى أو الأكثر تقدمًا تكنولوجيًا، بل أولئك الذين امتلكوا قدرة أقدم وأعمق: تحويل الألم إلى هوية، والخوف إلى إيمان، والموت إلى معنى. وإلى أن تدرك واشنطن هذه الحقيقة، ستبقى استراتيجيتها في الشرق الأوسط محكومة ليس بالعالم كما هو، بل بالعالم كما تفترضه نظرياتها التقليدية.

إن أي مقاربة أميركية مستقبلية للشرق الأوسط ستكون محكومة بقدرتها على فهم الجماعات الشيعية فهمًا يتجاوز الأدوات التقليدية للضغط والاستقطاب. فالتجربة أظهرت أن الاستراتيجيات المبنية على منطق الردع، القائم على افتراض أن الخصم يخشى الموت ويسعى إلى تجنب الألم، لا تفسّر وحدها سلوك هذه الجماعات ولا تكفي للتأثير فيه. ولذلك، فإن على واشنطن أن تنتقل من "منطق الردع" إلى "منطق الفهم"؛ أي إلى قراءة البنية النفسية والهوياتية التي تحرك هذه الجماعات، وفهم رمزية الألم في وعيها الثقافي ومخيالها الجمعي، لا الاكتفاء بقراءة سلوكها السياسي الظاهر.

ولفهم هذه الهوية، ينبغي للولايات المتحدة أن تتعامل مع الشيعة بوصفهم فاعلًا هوياتيًا وسياسيًا معًا، لا بوصفهم مجرد طرف نفعي يمكن استمالته بالعقوبات أو الحوافز. فقد تعاملت واشنطن لسنوات مع العالم الشيعي من خلال عدسة "المصلحة"، بينما تتحرك قطاعات منه وفق منطق رسالي تعتبر فيه القيم والمبادئ أثقل وزنًا من الحوافز المادية. ولهذا فإن الضغوط الاقتصادية لا تؤدي دائمًا إلى النتائج التي تتوقعها السياسات الغربية، لأن البنية العقائدية والرمزية لدى هذه الجماعات أكثر قدرة على تحمّل الكلفة.

ومن الأخطاء المتكررة في السياسة الأميركية التعامل مع الشيعة عبر أطراف ثالثة، سواء كانت دولًا حليفة أو جماعات محلية أو وسطاء سياسيين، بدلًا من بناء فهم مباشر لهم. ولذلك فإن فتح قنوات اتصال طويلة المدى، وتطوير معرفة أكثر عمقًا بمنظومة القيم التي تحركهم، بات ضرورة لأي سياسة أكثر فاعلية.

وفي السياق نفسه، تحتاج الولايات المتحدة إلى إدراك قوة القيادة الكاريزمية داخل المجتمعات الشيعية، وهي قوة تُستمد من الاستعداد للتضحية والمخاطرة الشخصية، لا من النفوذ السياسي وحده. ولهذا فإن محاولات إضعاف هذه القيادات عبر التصعيد أو الاستهداف المباشر قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج معاكسة، فتزيد من تماسك الجماعة وتعزز شرعية القائد. والبديل الواقعي هنا هو الاحتواء التدريجي والحوار والتفاهم، لا الإقصاء أو المواجهة المفتوحة.

كما ينبغي لواشنطن أن تدرك أن الألم، في هذا المخيال، لا يُضعف الشرعية بالضرورة، بل قد يعزّزها. فالثقافة التي ترى في المعاناة دليلًا على صحة الطريق تستجيب للعقوبات والحصار بإعادة إنتاج الهوية، لا بالتراجع السريع. لذلك فإن الاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية داخل البيئات الشيعية قد يكون أكثر جدوى من الاستثمار المستمر في المواجهة. فكلما تحسنت الظروف المعيشية، ازداد الميل إلى الاندماج السياسي، وقلّ تأثير خطاب الحرب والمظلومية.

ومن الأخطاء الكبرى أيضًا الخلط بين الهوية الشيعية وإيران بوصفها دولة ذات مشروع سياسي. فالجماعة الشيعية أوسع بكثير من الدولة الإيرانية، وولاءاتها تتوزع بين العقيدة والانتماء الوطني والاعتبارات المحلية. وعدم التمييز بين هذه المستويات ينتج سياسات مرتبكة تسيء قراءة الواقع.

وعلى الولايات المتحدة كذلك أن تتوقف عن قراءة المجتمعات الشيعية بعيون سنّية أو علمانية أو غربية خالصة، لأن هذه المقاربات لا تلتقط البعد الهوياتي العميق الذي يحرك السلوك. والمطلوب هنا هو بناء مراكز بحثية متخصصة في دراسة الهوية الشيعية نفسيًا وثقافيًا وسياسيًا، وتدريب الدبلوماسيين وصنّاع القرار على فهم رموز هذه الثقافة وطقوسها وسردياتها.

وقبل كل شيء، ينبغي لواشنطن أن تدرك أن تفكيك الهوية الشيعية أو تجاوزها بالقوة ليس هدفًا واقعيًا؛ فقد تشكلت عبر قرون طويلة من الألم والاضطهاد والسرديات والطقوس والقيادات والوعي الجمعي. ولهذا فإن السياسة الواقعية ليست السعي إلى كسرها، بل إلى التعامل معها كحقيقة راسخة.

ولا يمكن أيضًا صياغة سياسة فعالة دون استراتيجية طويلة المدى. فالهويات المتجذرة لا تُفهم بمنطق ردود الفعل السريعة، بل تحتاج إلى مقاربة تراكمية تدرس الزمن الطويل، وتبتعد عن القرارات المفاجئة التي كثيرًا ما تزيد هذه الجماعات قوة بدل أن تضعفها.

في النهاية، قد يختلف المحللون حول مستقبل القوى الشيعية في الشرق الأوسط، لكن أمرًا واحدًا بات واضحًا: الهوية الشيعية لم تعد مجرد فصل ديني في تاريخ المنطقة، بل أصبحت عاملًا نفسيًا وسياسيًا لا يمكن فهم الشرق الأوسط المعاصر من دونه


مشاهدات 82
الكاتب عمار رياض لفتة
أضيف 2026/04/09 - 2:40 AM
آخر تحديث 2026/04/09 - 4:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 184 الشهر 7057 الكلي 15225130
الوقت الآن
الخميس 2026/4/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير