الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتحول البراءة إلى فضيحة معلنة

بواسطة azzaman

حين تتحول البراءة إلى فضيحة معلنة

أحمد جاسم الزبيدي 

 

مدينتنا، كغيرها من المدن العراقية، كانت تضجّ بالحياة كما تضجّ بالغبار… لكنها، وبشيء من الإنصاف، كانت تختلف بطعمها الإنساني الحلو، وبذلك النسيج الفسيفسائي الذي لم يكن يُرى بالعين بقدر ما كان يُحسّ بالقلب. في تلك الأيام، أيام الطفولة والدراسة، لم نكن نعرف من هو السني ومن هو الشيعي، ولا حتى من هو المسيحي… كنا نعرف فقط من يلعب معنا، ومن يشاركنا الخبز والضحكة.

أذكر، وربما للذكرى طعم المفاجأة أحيانًا، أنني زرت صديقًا لي لأعطيه منشورًا لاتحاد الطلبة، فلفت انتباهي صليب معلّق في غرفة الاستقبال. سألت بدهشة بريئة: "ما هذا يا عصام؟"

أجابني ببساطة أشد براءة: "إحنا مسيحيين."

هززت رأسي ومضيت… لا لأنني فهمت، بل لأن الأمر لم يكن يحتاج إلى فهم أصلاً.

لكن، ما أريد أن أصل إليه ليس هذا المشهد، بل تلك الطرفة التي قفزت إلى ذهني وأنا أكتب، وكأنها تلخّص زمانين في جملة واحدة.

في أحد الأعياد، وكما جرت العادة، نُصب "دولاب الهوى"، وبدأت الأمهات بإطلاق تحذيراتهن التقليدية للفتيات ، الممزوجة بالخوف والحياء:

"يمّه لا تركبين دولاب الهوى… أخاف يطير ثوبچ  ويطلع لباسچ!"

الطفلة، ككل الأطفال، لم تأخذ التحذير على محمل الجد. ذهبت، لعبت، استهواها الدوران، فصعدت إلى "الدولاب"، وعادت إلى البيت مفعمة بالفرح، وكأنها حققت إنجازًا تاريخيًا.

قالت لأمها:

"يمّه… أني ركبت دولاب الهوى!"

سألتها الأم بقلق ممزوج بالغضب:

"خو ما أحد شاف لباسچ؟"

أجابت الطفلة، بكل فخر لا يخلو من عبقرية ساذجة:

"لا يمّه… أني نزعته!"

وهنا، تنتهي الطرفة… لكن الحكاية تبدأ.

فما أكثر ما نراه اليوم من "نزعٍ" مشابه، ولكن بلا براءة. زمنٌ امتلأ بغبار الحروب، وضجيج التفجيرات، ومسيرات الموت التي لا تفرّق بين بريء ومذنب. زمنٌ يصرخ فيه البعض بالعفّة، بينما هم—كطفلتنا الصغيرة—قد "نزعوا اللباس" بأيديهم، لكن دون أن يمتلكوا عذر الطفولة أو صفاء النية.

العجيب في الأمر، أن من يرفع راية الفضيلة اليوم، يفعل ذلك أحيانًا وهو عارٍ من أبسط معانيها… يصرخ عاليًا كي لا يُسأل: أين لباسك؟

حقًا… ما أشبه اليوم بالبارحة، لكن الفارق أن الطفلة كانت بريئة حين قالتها، أما نحن… فنقولها أحيانًا ونحن نعرف تمامًا ماذا فعلنا.

عجبًا !


مشاهدات 40
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي 
أضيف 2026/04/05 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/04/06 - 12:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 55 الشهر 4329 الكلي 15222402
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير