قراءة في القراءة.. بدر والبحث عن منطق الوجود المفقود
مصطفى حميد الحمادي
في سرديته (( المستشرقة الإلمانية والعطار النيسابوري )) يفكك الروائي المائز علي بدر البنى التحتية لمقولات أشكالوية لطالما أنشبك بها العالم وتصادمت بصددها عديد المدارس والرؤى والطروحات الفلسفية المختلفة ..
خطاب مادي
أنه خطاب المادي الروحي .. الإنسان إزاء التغول والتوحش الرأسمالي المادي .. والبحث عن الوجود الحقيقي المفقود .. أسئلة ومتاهات وخرائط وشبكات طرق معرفية وعبثية وإبستمولوجية معقدة ومتداخلة وتقليدية وغير تقليدية في آن
وذلك عبر السينوغرافيا المشرقية التي ينتدب لها البدر المستشرقة الإلمانية ( آنماري شميل) وهي تتعقب نص مفقود من مخطوطة منطق الطير لفريد الدين العطار انطلاقاً من بلد المنشأ ألمانيا إلى تركيا ثم أيران ، فنيسابور وأخيراً بغداد وصولاً إلى اللاوصول تماماً وأنجلاء الحقيقة أخيراً في القبض على الوجود الروحي بأعتباره هو الحقيقي فقط بأزاء ذلك المادي الذي هو لاشيئ واللاشيئ تماماً ..
أن البدر في جرعته الفلسفية كاملة الدسم شعرياً وفكرياً وميتا وجودياً في آن أنما يحيلنا إلى بنى أركيلوجية ونصية لطالما تعقبتها الجمل الكونية والملحمية والمداخلات الأبداعية والسيميائية الكبرى في بحثها عن الخلود والوجود الحقيقي وماهية الحقيقة وأين تتمثل على وجه التحديد لنخلص أخيراً إلى أن الروح والأنسان هما الخلاصة تحديداً ولكن ثمة غول وحشي أحمق يتربص بهما متمثل بعالم مجنون ووحشي وآلي وغير اخلاقي ولا انساني بالمرة عندما ينشر حقول الموت والخراب والدمار والحروب في كل حدب وصوب وبالتالي يشرع مقتلة واسعة الإنتشار التي تطال كل ماهو أنساني وروحي ومعرفي وأنتماء حقيقي لعالم أخلاقي ونبيل ..
أنها حلبة الصراع التي أراد أن يعرض لها البدر وهو يصمم مستشرقة بملامح وتبعات غربية تلج العالم الروحي المشرقي حتى تتماهى وتندمج وتذوب به حد التصوف والتوله والتولع والاعتناق والاعتقاد الفكري والوجودي والفلسفي به ..
أنه خطاباً يفتت خطاباً وتنقيباً يفند تنقيباً أستشراقياً كولينالي حرص دوماً على أظهار شرقاً منطفىاً مندحراً منكفئاً جاهلاً منبوذ ..
أن البدر وهو يعلي من شأن الروح المشرقية بأعتبارها لبة العالم وسره البنيوي الأبهر أنما يحاول أن يفند ذلك الخطاب الكولينالي الأستعماري المتعالي عندما قزم كثيراً من منسوبنا وكثافتنا المشرقية الروحية العظيمة بمدارسها ومتصوفتها ومنحوتاتها وخطاطاتها وببضاعتها التأريخية والحضارية الأبهى ..
أن البدر في بحثه عن الأنسان انما يلتقي في ذلك مع ملحمة كلكامش وبروست في زمنه المفقود ومع أين الله لمكسيم غوركي .. أنه يقول الغنوصية أخيراً بالحلاج الذي أعتلى مشنقته وهو يقول (( أنا الحق)) بأبن عربي ووجوده ووجوده الأوحد بأشراقيات السهرودي بحافظ شيرازي وناظم حكمت ومصطفى جواد وعبد الوهاب البياتي
يمهد علي بدر في بحثه عن منطق الأنسان المفقود وهو يفضي أخيراً إلى الانتهاء والتماهي والتوحد والفناء فيه
أنزيم اللغة
يحقن البدر خلايا مرويته الجذعية بأنزيم لغوي فتاك ليحيلها بالتالي الى مركب فلسفي متفجر بالجمال والشعر والاهتزاز الدلالي والسيموطيفي الماتع حتى تقود الرواية اللغة المائزة المتفردة بوصفها بطلة الرواية المطلقة وليست آنماري شميل التي لم تكن إلا شخصية ما أسند لها دور محوري في فضاء هذه العمل ..
علي بدر وهو يعزف كل هذه المقطوعات السمفونية الساحرة ويؤثث كل هذا الجمال الهرموطيقي بعناية باذخة لم ينشد بالتالي سوى تماهياً أحترافياً عالي السعرات الفكرية مابين الحقيقة التي تعقبتها كثيراً أنفاس الرواية من أول مفتتح بها وحتى آخر شحنة شفراتية ورمزية فيها وهي تؤصّل لمقولة الوجود الماثل باللغة واللغة وحدها فقط بوصفها وسيطاً شرعياً غير محايد بالمرة تكمن فيه وحدة ذاتوية وعرفانية وأنسانوية لطالما حاولت أن تمد خيوطها طيور منطق الطير للعطار وخيوط طائرات علي بدر اللغوية والأنساقية والورقية والسيمولوجية في آن أن منحوتة علي بدر تلك هي التي تحبس الأنفاس وليس النص المفقود لخطاطة منطق الطير لفريد الدين النيسابوري حتى ان موجة زرقاء من الدهشة والانصعاق الكهرو لغوي هو ماجعلني احلق عالياً مع هذا المعمار الفاخر من الصناعة السوريالية واللغوية والتكنيك الفلسفي الذي كان يتحرك على أرصدة وخلفيات ومرجعيات علمية أرشيفية ووثائقية ثرة ورصينة ..
أن اللغة باعتبارها بساطاً سحرياً مدهشاً بخزائنها الفكرية والثقافية والجمالية والشعرية التي حاولت ان تحلق بها هذه الرواية عالياً فوق كل السماوات الكولينالية التي لم ترَ بالعين المجردة هذه الحقيقة الفادحة
في الوقت الذي حاول فيه علي بدر أخيراً من أن يحملها بكل هذه المحمولات الأرتدادية على خطاب استشراقي استعماري غمط منسوبنا الروحي والمشرقي والإنساني برمته ليحّمل في محصلة الأمر رغيف علي بدر اللغوي الذي خبُز على نار معرفية وجمالية وسياقية غير هادئة بالمرة قيمة فلسفية واركولوجية وثقافية عالية المواضعة والأرسال والتردد والأشارات ..