الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهوية بين التراث والقداسة

بواسطة azzaman

الهوية بين التراث والقداسة

عباس التميمي

 

 يعرف المفكر الفرنسي »أليكس ميكشيللي« اعتبر أن الهوية عبارة عن " منظومة متكاملة من المعطيات  المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها، فالهوية هي وحدة المشاعر الداخلية، التي تتمثل في وحدة العناصر المادية، والتمايز، والديمومة، والجهد المركزي. وهذا يعني أن الهوية هي وحدة من العناصر المادية والنفسية المتكاملة، التي تجعل الشخص يتمايز عمن سواه، ويشعر بوحدته الذاتية."

والباحث يرى الهوية في ثالثة أطر أو دوائر، وهي ذات الفرد ومجتمعه وإنسانيته.

"أمة بلا ماضٍ لا حاضر لها ولا مستقبل". سمعنا هذه المقولة مرات لا تُحصى، وهي راسخة في أعماقنا  ، وتكرارها يترسخ في ذاكرتنا ولا يمكن اقتلاعه ،  ومن خلالها، نُدرك أن الماضي يُشير إلى الوجود والأساس والتجذر ؛ فالأمة التي لا تعرف شيئًا عن ماضيها لا حاضر لها.

  فهناك ارتباطًا وثيقًا بين التراث الثقافي والهوية الوطنية ، فبدون التراث الثقافي، لا وجود للهوية الوطنية؛ وعلى العكس، ما جدوى التراث الثقافي إن لم يُسهم في تشكيل الهوية الوطنية؟ إن التراث الثقافي والهوية الوطنية عنصران لا ينفصلان، يشكلان معًا الذات والشخصية للأفراد والجماعات.

إن التراث الثقافي، بوصفه ما نرثه من الماضي، هو مجمل الإنتاج الثقافي البشري، شاملاً جميع التطورات والأحداث في كل عصر. ولا يتوقف عند منعطف تاريخي محدد، بل يمتد إلى كل جانب من جوانب حياتنا مع مختلف تغيرات الحاضر وإمكانيات المستقبل، لدرجة أننا لا نستطيع تجاهله، لأنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتنا.

لا يقتصر التراث الثقافي على المعالم الأثرية والمواقع التاريخية فحسب، بل يشمل كل ما نرثه من تراث مادي ومعنوي، يعكس مسار التطور الاجتماعي، ويشمل الحكايات الشعبية والقصص والعادات والتقاليد والحرف اليدوية والمعارف التقليدية، فضلاً عن مختلف الآثار المعمارية. ولذلك، يُعد التراث الثقافي كنزاً معرفياً لا ينضب، ومصدراً للأصالة، وجزءاً لا غنى عنه من الثقافة الشعبية والهوية الوطنية.

في زمنٍ تتزايد فيه حدة المشكلات الناجمة عن الحداثة والعولمة، تزداد أهمية العلاقة بين التراث الثقافي والهوية. فآثار الحداثة والعولمة تجتاح العالم بأسره، وتتغلغل في جميع المجالات، بينما يتزايد خوف الناس من الذوبان في ثقافات أخرى، وتواجه العديد من العناصر الثقافية خطر الاندثار. لذا، يجب علينا بذل قصارى جهدنا لحماية قيمة التراث الثقافي، لأنه الركيزة الأساسية لهويتنا الثقافية وحضارتنا.

ما أود الإشارة إليه فيما يتعلق بهذا المفهوم الموضوعي للتراث والهوية، هو أن العالم في الوقت الراهن يميل نحو إلغاء الهويات الوطنية للشعوب ودمجها وتذويبها حتى تبقى ثقافة واحدة وهوية واحدة. وهذه من الأساليب التي يستخدمها الغرب اليوم في مواجهة حضارية، حيث يسعون بشتّى الطرق لإزالة الصلة بين الأفراد وتراثهم وجذورهم التاريخية. لذلك، فإن التشديد على ضرورة التمسك بالهوية التراثية والفخر بها أصبح حتمية أكثر من أي وقت مضى، لتجنب الوقوع تحت هيمنة ثقافة ليست ثقافتنا، وتحت سيطرة حضارة لا تمت لنا بصلة. وبالتالي، فإن الحفاظ على التراث والاهتمام به يعتبر مهمة ومسؤولية وواجب وطني، إذ إذا تداعى الماضي وانهار، يصبح من المستحيل عودته.

 

 

 


مشاهدات 60
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/04/01 - 1:31 AM
آخر تحديث 2026/04/01 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 181 الكلي 15218254
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير