حوراء بين الحنين والبساطة.. لوحات تنبض بالهدوء وتستحضر التراث العراقي
بغداد - الزمان
في زاوية هادئة من المشهد التشكيلي العراقي، تبرز الفنانة حوراء محمد الربيعي بأسلوب فني يراهن على البساطة العميقة والحنين إلى الماضي، بعيداً عن صخب الواقع وتعقيداته. لوحاتها ليست مجرد أعمال بصرية، بل نوافذ مفتوحة على ذاكرة عراقية غنية بالتفاصيل، تستعيد من خلالها ملامح التراث وتعيد تقديمه بروح معاصرة.
تقول الربيعي إن ما يميز تجربتها هو (المزج بين البساطة والدقة)، حيث تسعى إلى أن يكون العمل قريباً من المتلقي، قادراً على ملامسة العين والقلب في آنٍ واحد، دون الوقوع في التعقيد. وتضيف أن هدفها لا يقتصر على رسم الجمال الشكلي، بل يتعداه إلى (إيصال إحساس معين، وكأن اللوحة تحكي قصة أو تستحضر ذكرى).
ويميل مشروعها الفني بشكل واضح إلى استلهام التراث، إذ تجد نفسها في إعادة إحياء تفاصيل الماضي، من البيوت القديمة إلى الأدوات التقليدية والزخارف، مع عناية خاصة بالظل والنور لإضفاء عمق وواقعية هادئة على أعمالها. هذا التوجه، بحسب وصفها، ليس مجرد خيار جمالي، بل تعبير عن ارتباط بالهوية والذاكرة.
ورغم التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها العراق، تختار الربيعي الابتعاد عن توظيف هذه القضايا بشكل مباشر في فنها. فهي ترى أن الفن يمكن أن يكون (مساحة للهدوء والجمال)، وملاذاً يخفف عن المتلقي ضغوط الواقع، بدلاً من إعادة إنتاجها بصرياً. وتوضح أن أعمالها تميل إلى إبراز الجوانب المشرقة، من خلال الطبيعة والتراث، لتمنح المشاهد شعوراً بالراحة والطمأنينة.
احداث يومية
وفي هذا السياق، تؤكد أن الفن ليس بالضرورة أن يكون انعكاساً مباشراً للأحداث اليومية، بل يمكن أن يؤدي دوراً مكملاً يتمثل في التذكير (بما هو جميل وثابت في حياتنا)، وهو ما تحرص على ترسيخه عبر لوحاتها.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن رسالتها الأوسع، إذ تسعى من خلال أعمالها إلى تعريف الأجيال الجديدة بالفن التراثي، والحفاظ عليه من الاندثار. وتشير إلى أن هذا النوع من الفن (يحمل هوية وتاريخاً عريقاً)، ما يجعل استمراره ضرورة ثقافية. وتضيف أنها تحاول تقديم هذه التفاصيل بأسلوب بسيط وقريب، ليتمكن الأطفال والشباب من التفاعل معها والشعور بقيمتها.
وعن حضور المرأة في المشهد التشكيلي، ترى الربيعي أن هذا الحضور أصبح (أقوى وأكثر وضوحاً) في السنوات الأخيرة، مع بروز عدد كبير من الفنانات اللواتي أثبتن قدراتهن وتركْن بصمات لافتة. ورغم التحديات التي واجهتها كامرأة في هذا المجال، تؤكد أن شغفها بالفن كان الدافع الأساسي للاستمرار، مشيرة إلى أن (الإصرار قادر على كسر أي حاجز).
وتمنح الربيعي للفن دوراً إنسانياً يتجاوز التعبير، إذ تعتبره وسيلة لتخفيف التوترات، لكنه بالنسبة لها قبل كل شيء (حالة من الراحة الشخصية)، حيث تصف لحظة الرسم بأنها انتقال إلى (عالم هادئ مليء بالجمال).
وعلى صعيد الطموحات، تكشف الفنانة عن سعيها لإنشاء مرسم خاص يمثل فضاءً حراً للإبداع وتطوير تجربتها الفنية، إلى جانب رغبتها في مواصلة دراسة الفن والتعمق في تقنياته. وتؤكد أن التعلم المستمر هو جزء أساسي من مسيرتها، مع حرصها على تطوير أسلوبها دون التفريط بهويتها المرتبطة بالتراث.
بهذه الرؤية، تواصل الربيعي رسم ملامح تجربة فنية تنحاز إلى الجمال الهادئ، وتعيد الاعتبار لذاكرة المكان، في محاولة لربط الماضي بالحاضر، وتقديم الفن كمساحة للأمل وسط واقع متغير.