لسير مع التاريخ
خالد محسن الروضان
يمرّ الشرق الأوسط اليوم بإحدى أخطر مراحله التاريخية، حيث تغلي الأفكار وتتقاطع المفاهيم المحلية والإقليمية والدولية في مشهدٍ بالغ التعقيد. صراعاتٌ تتفجّر، ومشاريعُ تتصادم، وحروبٌ تلد حروبًا أخرى، في دورة عنفٍ مفتوحة لا تبدو لها نهاية قريبة. وفي قلب هذا المشهد، يبرز السؤال الجوهري: أين تقف الأمة العربية، والعراق تحديدًا، من هذا الصراع المحتدم؟
إن المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد صراعٍ عابر، بل هي تعبير عن إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى في المنطقة. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في هذا الصراع بحد ذاته، بل في انعكاساته على الداخل العربي، حيث يُعاد إنتاج الانقسامات الطائفية والقومية والمذهبية، وكأن هذه الأمة تُستدرج مرةً أخرى إلى دوّامة الاستنزاف الذاتي.
في العراق، تبدو الصورة أكثر إيلامًا. إذ نشهد اندفاعًا لافتًا لدى بعض النخب السياسية نحو تكريس الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، حتى غدا الانتماء المذهبي يتقدّم على مفهوم الدولة، مهددًا بنيتها وأسسها. وهو مسار لا يعكس خللًا سياسيًا فحسب، بل يكشف عن أزمة وعي عميقة، يتم فيها استبدال مشروع الدولة بمشروع الطائفة، والوطن بالجماعة.
لقد أسهم هذا النهج، الذي يتبنّاه متطرفون من مختلف الأطراف، في إضعاف الإيمان بالديمقراطية، وتقويض جدوى التعددية السياسية، وتهميش قيم حرية الرأي والعقيدة، بل وحتى النيل من مبدأ التداول السلمي للسلطة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح استحضار قيم التسامح والتعايش ضرورة لا ترفًا، والعودة إلى جوهر الدين كعامل وحدة، لا أداة انقسام.
إن الطيف العراقي اليوم مدعوّ إلى إعادة تعريف ذاته؛ أن يتحول من طيفٍ مرتبك لا يميّز بين اتجاهاته، إلى طيفٍ واعٍ قادر على الفرز بين ما يبني الدولة وما يهدمها. فالتحدي لم يعد تحدي بقاء، بل تحدي وعيٍ وإرادة.
وفي خضم هذه العواصف، تبرز الحاجة إلى مسارات جديدة لإعادة بناء الحياة، تقوم على كشف الحقائق، وترميم ما تهدّم، وصياغة خطابٍ جديد يواكب تحولات العصر. فإرهاب الحروب، وهيمنة القوى التي توظف العنف لبث الرعب، لن توقف حركة التاريخ، لأن للتاريخ منطقه، وللحرية شمسًا لا تغيب.
إن الحديث عن السيادة الوطنية بمعزل عن شروطها الواقعية ليس سوى وهمٍ سياسي. فالسيادة لا تُصنع بالشعارات، بل تُبنى على اقتصادٍ قوي، وتحالفاتٍ ذكية، ومؤسساتٍ راسخة. ومن دون ذلك، تبقى الدولة هشّة، عرضة لرياح الخارج وتقلباته.
ومن هنا، فإن السير مع التاريخ، لا ضده، يفرض على صانع القرار العراقي مراجعة جادة، والانخراط في مسار إصلاحي حقيقي، يقوم على:
1. تجديد الحياة السياسية عبر تقديم نخب جديدة قادرة على تجاوز إرث الصراعات وبناء خطاب وطني جامع.
2. تسوية داخلية متوازنة تقوم على تصفير الأزمات مع إقليم كردستان، ومنح المحافظات السنية دورًا أوسع في إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة.
3. انفتاح إقليمي ودولي واعٍ عبر بناء علاقات متوازنة مع دول الخليج العربي والغرب، بما يعزز فرص الاستثمار والتنمية والإعمار، بوصفها الركائز الفعلية للسيادة.
4. تفكيك الخطاب الطائفي من خلال إنهاء توظيف المظلومية في السياسة، والعمل على دمج المكونات كافة في مشروع وطني جامع يتجاوز الانغلاق والعزلة.
لقد آن للعراق أن يحسم موقعه في حركة التاريخ: إما أن يكون فاعلًا في صناعتها، أو أن يبقى ساحةً لصراعات الآخرين. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من يقف في وجه مساره