الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إضاءة مهنية لا دراسة نقدية .. علي المندلاوي

بواسطة azzaman

إضاءة مهنية لا دراسة نقدية .. علي المندلاوي

سيّد البورتريه الساخر في زمن الوجوه المتعبة

ياس خضير البياتي

 

في مدينة مندلي بمحافظة ديالى، تلك المدينة الحدودية التي تبدو كأنها واقفة على تخوم الحكاية بين العراق وإيران، بين الريف والمدينة، بين الهدوء والعاصفة.

في هذه المدينة تتجاور البساتين مع طرق القوافل القديمة، تشكّلت عين الطفل وُلد علي المندلاوي عام 1958.كان يراقب الوجوه قبل أن يعرف أنه سيعيد رسمها يومًا بطريقته الخاصة. كان يرى في ملامح الناس ما لا يُقال، وفي تفاصيل البيوت الطينية ما يشبه القصص الصامتة. هناك بدأت رحلته الأولى مع الخط، حين كان يرسم على هوامش دفاتره وجدران البيت، غير مدرك أن تلك الخربشات ستصير يومًا جزءًا من ذاكرة الفن العراقي.

أختار معهد الفنون الجميلة في بغداد، وتخرّج فيه عام 1979، ثم واصل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة ليحصل على بكالوريوس في التصميم الطباعي عام 1986. لم تكن الدراسة الأكاديمية بالنسبة إليه مجرد شهادة، بل كانت مختبرًا لصقل الموهبة وتوسيع أفق الرؤية. تعلّم هناك كيف يتحول الخط إلى فكرة، وكيف يصبح اللون موقفًا، وكيف يمكن للصورة أن تقول ما تعجز عنه المقالات الطويلة.

 الأهم أنه اكتشف مبكرًا أن الكاريكاتير ليس سخرية سطحية، بل فنّ عميق يحتاج إلى ثقافة واسعة وحسّ إنساني دقيق.بدأ مسيرته المهنية في صحافة الأطفال منتصف السبعينيات، حين عمل رسامًا في مجلتي “مجلتي” و“المزمار” الصادرتين عن دار ثقافة الأطفال في بغداد. كانت تلك المرحلة حجر الأساس في تكوينه الفني؛ ففي عالم الطفولة لا مكان للادعاء، ولا مساحة للزيف. كان عليه أن يكون صادقًا وبسيطًا ومبتكرًا في آنٍ واحد.

رسم لأكثر من أربعين كتابًا للأطفال صدرت في بغداد والقاهرة وبيروت وتونس، وتعاون مع دور نشر مثل دار الفتى العربي في القاهرة ودار الآداب في بيروت.

روح المغامرة

 شخصياته الكرتونية لم تكن مجرد أشكال ملوّنة، بل كائنات نابضة بالحياة، تحمل روح المغامرة والدهشة، وتُشبه أطفال العراق في أحلامهم الصغيرة وكبريائهم المبكر.

غير أن شغفه لم يتوقف عند عالم الطفولة. في عام 1983، انتقل إلى صحافة الكبار، وهناك بدأ اسمه يبرز بقوة في مجال الكاريكاتير السياسي والثقافي. ما ميّزه عن غيره أنه لم يتعامل مع الكاريكاتير كتعليق ساخر عابر، بل كلوحة متكاملة العناصر. مزج بين تقنيات الرسم الحر والبورتريه والكاريكاتير، فخلق أسلوبًا خاصًا به، يمكن تمييزه من النظرة الأولى. كان يرسم الوجوه الشهيرة لا ليشوّهها أو يبالغ في ملامحها فحسب، بل ليكشف جانبًا خفيًا منها، كأنما يحاور الشخصية عبر الخطوط.

كانت أولى بورتريهاته للاعب كرة القدم والمدرب الشهير عمو بابا، ثم توالت الوجوه: بدر شاكر السياب، جواد سليم، عبد الوهاب البياتي، شيركو بيكس، ميشيل فوكو، أم كلثوم، عمر الشريف، زها حديد، وغيرهم.

 في كل لوحة، كان يضع خلف الشخصية شيئًا من عالمها؛ شناشيل البصرة في بورتريه السياب، أو تفاصيل معمارية تذكّر بزها حديد، أو إشارات ثقافية تحيط بالمفكرين والأدباء.

لم يكن يرسم الملامح كما هي، بل كما يتخيلها في ضوء تجربته الخاصة. لهذا بدت أعماله أقرب إلى قراءة بصرية للشخصية، لا إلى نسخة فوتوغرافية منها.

في التسعينيات، اضطر إلى الهجرة إلى هولندا، شأنه شأن كثير من المثقفين العراقيين الذين ضاقت بهم البلاد. هناك، في المنافي الباردة، حمل ذاكرته معه. نشر رسوماً توضيحية في مجلات أوروبية، وعمل في مجلتي “الجديدة” و“المجلة” اللندنيتين، ثم انتقل إلى العاصمة البريطانية ليعمل في صحيفة “الشرق الأوسط” الدولية بين عامي 1999 و2003.

كانت تلك السنوات مساحةً لتجربة جديدة، حيث التقى بثقافات متعددة، وتعرّف إلى مدارس فنية مختلفة، ووسّع شبكة علاقاته في الوسط الفني العالمي. لكنه ظلّ مشدودًا إلى بغداد، كأن ريشته لا تستقر إلا على ضفاف دجلة.

بعد احتلال العراق عام 2003، عاد إلى العراق، حاملاً معه خبرة المنفى وأحلام العودة. أسّس مشروعًا ثقافيًا باسم “ميديا”، جعله فضاءً مفتوحًا للمعارض والحوارات الفنية. لم يكتفِ بأن يكون رسامًا، بل أراد أن يكون محفّزًا للمشهد الثقافي.

عمل مستشارًا لثقافة الأطفال في وزارة الثقافة بإقليم كردستان بين عامي 2005 و2006، ونظّم أول مهرجان عالمي خاص بالطفل الكردستاني في أربيل، مؤمنًا بأن الفن يمكن أن يكون جسرًا بين الثقافات، ونافذة أمل في مجتمع مثقل بالحروب.

تنقّلت أعماله بين عواصم عديدة: بغداد، عمان، تونس، باريس، برلين، لندن، أوترخت. شارك في مهرجانات دولية للكاريكاتير، منها مهرجان غابروفو في بلغاريا، ومعارض في معهد العالم العربي في باريس، وقاعة الكوفة في لندن، ودار الأوبرا في القاهرة.

حاز على الجائزة الكبرى في الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للفكاهة في رومانيا عام 2015، كما نال جائزة “قاعة المشاهير لإنجازات العمر” ضمن جائزة محمود كحيل عام 2022 في بيروت، وهي من أرفع الجوائز العربية في فن الكاريكاتير. في كلمته يوم التكريم، عبّر عن شعوره بالانضمام إلى سجل رواد كبار سبقوه، مؤكّدًا أن الجائزة ليست نهاية الطريق، بل مسؤولية جديدة.

أصدر كتابًا بعنوان “وجوه المندلاوي”، جمع فيه مئةً وثمانين بورتريهًا منجزًا على مدى أربعة عقود، مستخدمًا تقنيات متعددة: الألوان المائية، الغواش، الحبر الأسود، الرصاص، والكولاج. في هذا الكتاب تتجاور وجوه الشعراء والفلاسفة والموسيقيين، كأنهم يتحاورون عبر الصفحات، وتتشابك خطوطهم لتشكّل أرشيفًا بصريًا لزمنٍ عربي متقلّب.

على المستوى الإنساني، يُعرف المندلاوي بتواضعه ووفائه لأصدقائه وزملائه. علاقاته تمتد منذ سبعينيات بغداد إلى لندن وأربيل وأمستردام.

كان دائم الحضور في النقاشات الثقافية، قريبًا من الأجيال الشابة، مستعدًا لمشاركة خبرته بلا تردّد. يؤمن أن الفن ليس ملكًا فرديًا، بل حوارٌ مستمر بين الفنان وجمهوره، وبين الماضي والحاضر.أسّس وشارك في تجمعات فنية وثقافية، منها مشغل للتصميم الطباعي في بغداد، وتجمع “فنانون ضد القمع” في لندن، ومؤسسة “أصدقاء ثقافة وادي الرافدين” في هولندا. هذه المبادرات تعكس وعيه بدور الفن في الدفاع عن الحرية ورفض الاستبداد.لم يكن الفن عنده ترفًا جماليًا، بل موقفًا أخلاقيًا.

في لوحاته، يتجاور الضحك والحزن. السخرية عنده ليست استهزاءً، بل محاولة لفهم العالم وتخفيف وطأته. يرسم الطغاة بخطوط حادة تكشف هشاشتهم، ويرسم الشعراء بألوان دافئة تبرز إنسانيتهم. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان هو المركز.

يتّسم أسلوب المندلاوي الفني بالمزاوجة الذكية بين الكاريكاتير واللوحة التشكيلية، بحيث لا تبدو أعماله تعليقًا ساخرًا فحسب، بل بناءً بصريًا متكامل العناصر. يعتمد على خطٍ رشيق وحاسم في آنٍ واحد، يختصر الملامح دون أن يُفرغها من روحها، ويبالغ في التفاصيل بقدرٍ محسوب يكشف الفكرة ولا يقتل الجمال.

في بورتريهاته الكاريكاتيرية، لا يسعى إلى التشويه، بل إلى إعادة اكتشاف الوجه من الداخل، مستنطقًا تعابيره الخفية وخلفياته الثقافية.

يلعب اللون دورًا أساسيًا في أعماله، إذ يستخدم الألوان المائية والغواش والحبر والكولاج ليمنح كل شخصية مناخها الخاص؛ فتبدو الخلفية جزءًا من السرد البصري لا مجرد إطار.

 كما تتسم لوحاته بحسّ درامي هادئ، حيث تتجاور السخرية مع التأمل، والرمز مع المباشرة، ليخلق توازنًا بين النقد الجمالي والعمق الإنساني. أسلوبه، في جوهره، هو بحث دائم عن المعنى خلف الملامح، وعن الحكاية المختبئة بين خطٍّ وآخر.

علي المندلاوي ليس مجرد رسام كاريكاتير، بل شاهدٌ على تحولات العراق الحديثة، وحارسٌ لذاكرته البصرية.

من مندلي إلى بغداد، ومن أمستردام إلى لندن، ظلّ يحمل ريشته كما يحمل آخرون حقائبهم، ويترك في كل محطة أثرًا من لونٍ وخطٍّ وحكاية.

في عالمٍ يمتلئ بالضجيج، يختار هو أن يتكلم بالرسم، وأن يقول عبر ابتسامةٍ ساخرة ما يعجز كثيرون عن قوله بالكلمات. هكذا صار اسمه علامةً في الفن العراقي، وجزءًا من سردية ثقافية لا تنتهي.

 

 


مشاهدات 96
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/03/25 - 4:04 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 3:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 21111 الكلي 15213179
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير