العمة اعطيشة واللازمة (تنگظي)
مارد عبد الحسن الحسون
تظل عمتي اعطيشة واحدة من نساء بني عارض التي مازالت في ذاكرة منطقة العشيرة يسترد البعض مواقف مشهودة لها لم تزلها السنوات الطويلة التي مرت على وفاتها .
كانت للسيدة اعطيشه منزلة يحكمها التقدير إن لم اقل الاعجاب لكثرة مواقفها المتميزة عن النساء الاخريات واذا صح التعبير تركت بصمة في مدارها الاجتماعي من الفطرة والعفوية والحضور في اللحظة المناسبة واذا صح التوصيف كانت (مديرة علاقات عامة) من طراز متميز.
لم اشاهد عمتي اعطيشة تتزين بشكل لافت كانت تكتفي بملابس داكنة في الاغلب فضفاضة مع فوطة وعباءة متواضعة الجودة ولكنها نظيفة دائماً
والطريف في حياتها انها كانت تحتفظ بلازمة ترددها في مواجهة أية مشكلة تحدث داخل عائلتنا بقولها (تنگظي) مما يترك للمواقف المزيد من فرص التراجع عن التعصب او الحدة ،واعتقد انها اخذت هذه الصفة من اخيها والدي الذي جعل من مضيف العشيرة منصة تسامح وتضامن ولجوء الى التراحم والمغفرة والاثرة الحسنة وهو ما درج عليه لمواجهة اشد الخصومات لذلك اطلقوا عليه صفة( الحبيچي) لقدرته على حبك الكلام المتوازن والمقنع وهي صفة لم تصدر من اقارب ، بل من عشائر اخرى لكثرة تكليفه في فض منازعات لما يتمتع به من قدرة حوارية وصبر .
لقد تزوجت عمتي اعطيشة من احد رجال السادة الطالقانين وخلّفت ولدين وكانت تحرص دائما على زيارة بيت والدي بين الحين والاخر
لم تأتِ ويدها فارغة ، بل تجلب معها ما يجود به بستان زوجها ، وفي موسم معين (گونية) من الليمون ( النومي الحلو ) تزيد على خمسين كيلو، وتوزع تلك (الصوغة) بالعدل بحيث لا يبقى فرد من العائلة والعوائل الجوار إلا ويتذوق من حلاوة ليمون السادة ، وكانت تحرص ان تكون حصة والدي متميزة في الوقت الذي تمضي فيه بتفقد الجميع تسأل وتنصح وتقترح وتواسي وتنتقد ولكن بود ، وتعلن تضامنها بشجاعة نادرة مع أي امراة من العشيرة تتعرض لأنتهاك حقوق مع عبارة ترددها (الله ما يقبل بالظلم) واذكر انها خاضت مناقشات مع بعض رجال العائلة كانوا على خلاف مع زوجاتهم
،وكانت تخطف قدمها في الكثير من الاحيان بأتجاه والدي حين يكون في المضيف لوحده تتبادل الحديث معه في العديد من الشؤون وتحثه باستمرار على رعاية صحته .
لا اذكر في يوم من الايام ان عمتي اعطيشة رفعت صوتها على أحد ، كما لم اشاهدها على خصومة مع امي رغم الشائع في الوسط العشائري عموما كثرة الخصومات بين الزوجة واخوات الزوج .
كانت بالعكس من ذلك ،تمضي المزيد من الوقت في مجالسة امي وتشاركها بحرص كبير على انجاز المشاغل اليومية من اعمال منزلية اخرى ، ولا يستطيب لها التوجه لزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء ألا بصحبة جدتي و امي حصرياً حتى بعد زواجها حيث يتفقا على هذا الرحلة الدورية المحببة لنفسها
لقد افتقدت عائلتنا وعائلة السادة الطالقانين سيدة قوية مازال تاريخها يعود بين الحين والاخر في ذكريات متباعدة ليس إلا .