إقتصاد الإستدامة.. لماذا أصبح الإستقرار أصلاً إقتصادياً في الخليج ؟
أسامة أبو شعير
في الشرق الأوسط قد تبدأ الحروب بالصواريخ، لكنها تُحسم غالباً بحسابات الجغرافيا والاقتصاد. وفي الخليج تحديداً لم يعد الاستقرار مجرد حالة سياسية، بل أصبح أصلاً اقتصادياً يقوم عليه الاستثمار العالمي في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ولهذا تبدو المفارقة واضحة: التوتر يمكن احتواؤه، أما الفوضى فقد تهدد المعادلة التي يقوم عليها اقتصاد المنطقة.
معادلة الجغرافيا والطاقة
في الخليج تختبئ مفارقة بسيطة لكنها حاسمة: كلفة التوتر يمكن احتمالها، أما كلفة الفوضى فقد تكون مدمّرة. فهذه المنطقة لا تمثل فقط مجالاً جغرافياً للصراع، بل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، حيث يرتبط استقرار أسواق الطاقة العالمية مباشرة بأمن الممرات البحرية في الخليج.
ومن هنا تصبح أي حرب في هذه المنطقة مخاطرة تتجاوز حدودها الجغرافية. فاضطراب الملاحة في الخليج لا يؤثر على دوله وحدها، بل يمتد سريعاً إلى الأسواق المالية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
مع اندلاع الحرب في المنطقة منذ 28 فبراير/شباط 2026 دخل الشرق الأوسط مرحلة مواجهة عسكرية مفتوحة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فقد استهدفت الضربات الأولى منشآت عسكرية ونووية داخل إيران وقيادات في الحرس الثوري، لترد طهران بسلسلة واسعة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
ومع اتساع العمليات العسكرية لم تبق الحرب محصورة بين إيران وإسرائيل. فقد امتدت آثارها سريعاً إلى دول الخليج، حيث تعرضت قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت حيوية في عدة دول لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الإمارات والبحرين والكويت والسعودية وعمان اعترضت الدفاعات الجوية موجات من الصواريخ والمسيّرات، فيما سُمعت انفجارات في أكثر من مدينة خليجية مع توسع نطاق الضربات الإيرانية.
هذه التطورات أظهرت بوضوح أن الحروب في الشرق الأوسط لم تعد تبقى داخل حدودها الجغرافية التقليدية، بل تمتد بسرعة إلى شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والأمنية في المنطقة.مضيق هرمز: نقطة الاختناق العالمية
في قلب هذه المعادلة يقع مضيق هرمز، أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. فهذا الممر البحري الضيق يمر عبره عادة نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، أي ما يقارب واحداً وعشرين مليون برميل يومياً.
ومع توسع العمليات العسكرية تعرضت ناقلات نفط وسفن تجارية في الخليج لهجمات متكررة، وارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل ملـــــــــحوظ، كما بدأت شركات الشحن العالمية بإعادة تقييم مساراتها في المنطقة.
وهكذا تحولت الحرب سريعاً من مواجهة عسكرية إلى عامل ضغط اقتصادي عالمي. فأسواق الطاقة لا تنتظر وقوع الأزمة كي تتفاعل معها؛ يكفي أن ترتفع المخاطر حتى تبدأ الأسعار والتكاليف في التحرك.
اقتصاد الاستقرار
غير أن فهم موقف دول الخليج من الحرب يتطلب النظر أيضاً إلى التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. فاقتصادات الخليج لم تعد تعتمد على النفط وحده، بل أصبحت تقوم على منظومات واسعة من الاستثمار العالمي والبنية التحتية العابرة للحدود والتجارة الدولية.
وقد تحولت مدن مثل دبي والرياض والدوحة وأبوظبي إلى مراكز مالية وتجارية عالمية لأن المستثمر الدولي يرى فيها بيئة أكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بكثير من مناطق الشرق الأوسط.
بنية تحتية
الاستقرار هنا لم يعد مجرد حالة سياسية، بل أصبح أصلاً اقتصادياً بحد ذاته. فالمشاريع الكبرى في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والسياحة والخدمات المالية تقوم على افتراض أساسي هو بقاء المنطقة ضمن مستوى يمكن التنبؤ به من المخاطر. ولهذا يمكن القول إن اقتصادات الخليج اليوم لم تعد تقوم على النفط أو التجارة فقط، بل على الاستقرار نفسه بوصفه أصلاً اقتصادياً يجذب الاستثمار العالمي ويضمن استمرارية النشاط الاقتصادي.
تباين الحسابات داخل الخليج
ورغم تقارب الموقف الخليجي الظاهر في تجنب الحرب، فإن تقدير المخاطر ليس متطابقاً بين جميع دول المنطقة. فالدول الأكثر تعرضاً للهجمات المباشرة أو الأقرب جغرافياً إلى بؤر الصراع قد ترى في تعزيز الردع العسكري ضرورة لحماية أمنها.
في المقابل تميل الدول الأكثر انفتاحاً تجارياً ومالياً إلى التركيز على كلفة الاضطراب الاقتــــــــــــصادي، حيث يشكل الاستقرار شرطاً أساسياً لاستمرار دورها كمراكز مالية وتجارية عالمية.
ورغم هذا التفاوت في الحسابات، يبقى القاسم المشترك بينها إدراك أن الحرب المفتوحة في الخليج قد تهدد الأساس الاقتصادي الذي قامت عليه هذه الدول خلال العقود الأخيرة.
الاستقرار السلبي: إدارة التوتر بدلاً من الفوضى ومن هنا يمكن فهم ما يمكن وصفه بـ “الاستقرار السلبي” في الشرق الأوسط.
فالمنطقة نادراً ما تعيش في سلام كامل، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنب الانزلاق إلى فوضى شاملة. الصراعات لا تُحل جذرياً، لكنها تُدار بحيث تبقى ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
وقد أظهرت هذه الحرب مفارقة لافتة: فقد وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مدن ومنشآت في الخليج، لكن دوله لم تتجه إلى توسيع المواجهة. فالحرب وقعت جغرافياً، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى حرب إقليمية شاملة.
فالشرق الأوسط قد يتعايش مع التوتر، لكنه لا يستطيع تحمّل كلفة الفوضى. ولهذا تبدو معادلة الخليج واضحة: إدارة التوتر أقل خطراً من الانزلاق إلى الفوضى.
كن إذا توسعت الحرب ودخلت دول الخليج فيها بشكل مباشر، فلن يكون السؤال كيف يمكن تجنبها، بل كيف تُدار اقتصادياً، وكيف تتحول الطاقة والجغرافيا إلى أدوات في إدارة الصراع نفسه.