المجريات والتداعيات.. الحرب الأمریكيّة الأسرائیليّة ضدّ إیران
أمين بابا شيخ
إنّ هذه الحرب (الحاليّة)، في العام 2026، مع أسباب اندلاعها، ليست حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم الصّراعات الجيوسياسيّة والتّوترات العسكريّة والأمنيّة الّتي دامت لأكثر من أربعة عقود بين إيران من جهة والولایات المتحدة الأمريكيّة وإسرائيل من جهة أخری. ومن أهم هذه الأسباب التّاريخية: الخلافات المتراكمة بين الولایات المتّحدة الأمريكيّة وإیران منذ تأسيس الجموريّة الإسلاميّة في العام 1979، والصّراع والعداء الجيوسياسي بین أسرائیل وإیران حول النّفوذ الأقليمي، والخلاف حول ملفّ البرنامج النّووي الإيراني التي أدّت إلی توتّرات أمنية وأزمات سياسية.
أبعاد جيوسياسيّة
وتطورت في ما بعد من الحروب بالوكالة إلی الإصــــــــطدامات العسكريّة المباشرة بینهما، ومن ثمّ أصبحت حربًا إقليمية ذات أبعاد جيوسياسيّة وإقتصاديّة. أهم التغييرات الجوهرية في السياسة الخارجية الأمريكية
أنتج انتهاء مرحلة الحرب الباردة في العام 1991، وأحداث 11 سبتمر/أیلول 2001 تأثيرات وتغييرات جوهرية في السّياسة الخارجيّة للولایات المتّحدة الأمريكية علی الساحة الدولية بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، لأنها تعدّ من المناطق الحيويّة ضمن أستراتيجية أمن مصالحها القومية. بعد هذه الأحداث، اتّبعت الولایات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، سياسات تدخّليّة في شؤون دول المنطقة، وأحیانا هجومية. ولأهميّة هذه الأحداث التّاريخية وتأثيرها علی مجریات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يمكن تلخيصها كمتغيرات تاريخية في السياسة الدولية والأقليمية، كما يلي:
- الحدث الأوّل: شكلت أحداث أنهیار الإتحاد السوفيتي في العام 1990/1991 وانتهاء حقبة الحرب الباردة، تحوّلًا كبيرًا في النظام العالمي ثنائيّ القطبية، فتمَّ تكريس انتصار النظام الرأسمالي العالمي الليبرالي.
نظام دولي
وأصبحتْ الولایات المتحدة الأمريكية القوة العظمی بلا منازعٍ في ظلّ النظام الدولي أحاديّ القطب.
وبالتزامن مع هذا التحول، أحتلّ الجيش العراقي دولة الكويت في العام 1990، فقادت الولایات المتّحدة الأمريكية تحالفًا ضمّ أكثر من ثلاثين دولة لطرد القوّات العراقيّة بالقوة العسكرية وتحرير دولة الكويت. في حرب الخليج الثانية 1991، قدّمت الولایات المتحدة الأمريكية نفسها كقوة عالمية عظمی من دون منافس، وذلك بغياب التوازن الدولي. ومنذ ذلك الحين، بدأ التواجد العسكري الأمريكي يتزايد في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في دول منطقة الخليج، فاعتبرت إيران هذا التواجد الأمريكي تهديدا لمصالحها القومية ونفوذها الاقليمي، وحاولت مواجهته عبر إنشاء محاور المقاومة في المنطقة.
- الحدث الثاني: أدت الهجمات الأرهابية في 11 سبتمبر/أیلول 2001 علی برجي مركز التجارة العالمية ووزارة الدفاع الأمريكية الی إعلان «الحرب علی الإرهاب دولیًّا»، وإعلان الحرب ضد نظام طالبان في أفغانستان 2001، ومن ثم إعلان الحرب ضد نظام صدام حسين في العراق العام 2003، وأحتلالهما وتغییر النظام فیهما. وفي أثر هذه الأحداث، صنفت الولایات المتحدة الأمريكية في وثیقة أستراتيجیة أمنها القومي في العام 2002 كلّ من (العراق وأیران وكوریا الشماليّة) ضمن «دول محور الشّر». ووصفت الوثيقة هذه الدول بأنّها تهدّد الأمن والسّلم الدّوليين، وتسعی الی تطوير الأسلحة المحظورة دولیًّا، وترعى الإرهاب الدّولي، ولا تلتزم بقرارت مجلس الأمن الدولي.
منذ ذلك الحین، قدمت الولایات المتحدة الأمريكية ملفات منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما إیران من ضمن أولویات سیاستها الخارجية، وبدأت عمليًّا بمتابعة نشاطات برنامجها النّووي، ومواجهة سیاساتها الإقلیمیة. ولكن، على الرّغم من العداوة التّاريخية بینها وأختلافهما في الكثير من الملفّات، إلّا أنّ الدولتين تعاونتا في الحرب ضد نظام الطّالبان في العام 2001 في أفغانستان، وبعد أحتلال العراق في العام 2003 قادتا صراعات معقّدة وعنيفة عن طريق حلفائهما المحلیین في العراق حول النّفوذ، لكنّهما اتفقتا علی محاربة الدّولة الإسلاميّة في العراق والشّام (داعش)، وقادتا تفاهمات سياسية وأمنية حول صيغة إدارة الدولة في العراق.
تقديم ملف ايران بعد حرب العراق 2003
بعد أحداث ١١ سبتمبر/ أیلول ٢٠٠١، أصبحت السّیاسة الخارجيّة للولایات المتحدة الأمريکية مکان جدل واسع في الأوساط العلمية والسياسة الدولية، لاسیما تجاه منطقة الشرق الأوسط، لأنّها اتّبعت سیاسات تدخّليّة وقادت حروبًا عديدة، من دون الشّرعية الدّولية، الّتي أدت الی تقسيم المجتمع الدّولي، وتأزيم العلاقات بين دول المنطقة. وکانت أهدافها الاستراتيجّة في کثير من الأحیان غامضة وغیر واضحة حتی لحلفائها الّذين کانوا يشارکونها الحروب الدموية والصراعات السياسية. إن احتلال أفغانستان والعراق، واقتراب القوات الأمريكية من أيران، أدت الی أزمة جديد بينهما، بالإضافة الی الأزمات والخلافات الأخری. منذ ذلك الحين، كان هذا الملف محلّ نقاش في الكثير من الأوساط السياسة والعلمية، وکانت تُطرح دائما الأسئلة الآتية: متى ستحدث المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكة وإيران؟ وكيف ستكون مجرياتها وتداعياتها علی المنطقة؟ وكم ستكون كلفتها المادية والبشّرية؟
مع الجدل المستمرّ والبحث عن الإجابة عن هذه الأسئلة، تأزّم الصّراع، وأخذ أبعادًا جيوسياسية وأمنية معّقدة، امتدّت الی أجزاء واسعة من منطقة الشرق الأوسط، إلى أن بدأ الاصطدام العسكري المباشر في الأێام من ١٣ إلى ٢٤ یونیو/حزیران ٢٠٢٥، بشن القوة الجوية الإسرائیلية هجوما مباغتا علی بعض المواقع والأهداف الأستراتیجية في إیران، ما عرف في ما بعد بـ(حرب الأثني عشر يومًا). توسّعت بقعة هذه الحرب الی بعض دول المنطقة مثل لبنان وفلسطين (غزة) والیمن والعراق، وأدت الی تصعيد التوترات الأمنية والأزمات السیاسية في منطقة الشرق الأوسط برمتها.
في الأیام الأولی من حرب الأثني عشر یوما في العام ٢٠٢٥، أستهدفت أسرائیل بالتعاون مع الولایات المتحدة الأمريکية المواقع الحیوية والمنشآت النووية في أیران، وعددًا من قادتها البارزين. ردّت الجمهورية الأسلامية في إيران علی الهجوم الإسرائیلي-الأمريکي بالصّواريخ الباليستية والمسيرات علی أهداف في إسرائيل. على الرّغم من أنّ هذه الحرب کانت مدتها قصيرة، لکنّها کانت ممیزة بالمقارنة بالحروب التقليدية الأخری، لأنّ الولایات المتّحدة الأمريکية وإسرائیل أعتمدتا فيها علی أستخدام القوة الذکية التي تجمع بین القوة الصلبة والناعمة ، وذلك لتحقێق الأهداف السياسية والعسکرية بأقل تکلفة وأعلی فعالية.
ترکت حرب الأثني عشر یوما في العام ٢٠٢٥ تداعیات ذات أبعاد جیوسیاسية، وأدت الی تأزیم الصراعات السياسية والتوترات الأمنية في منطقة الشرق الأواسط، ولاسیما بين إیران من جهة وإسرائیل وأمریکا من جهة أخری، حيث تعرّضت المنشآت العسکريّة والنّوویة الإیرانية الی أضرار أو تدمير بعضها، بالإضافة الی مقتل عدد من قادتها البارزين. وفي المقابل، ألحقت هذه الحرب أضرارًا جسيمة بإسرائیل وبعض القواعد العسکرية الأمريکيّة مثل قاعدة العديد في قطر.
أمن أسرائيل ودول منطقة الخليج
كانت الولايات المتّحدة الأمريكيّة ولا تزال تشعر، بأنّ إيران تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن مصالحها القوميّة في منظمة الشرق الأوسط، ولاسيما أمن دولة إسرائيل الذي يعدّ أحد المرتكزات الثابتة والاستراتيجية في سياستها الخارجية، وبالإضافة الی أمن دول منطقة الخليج الذي يعد أيضا مسألة استراتيجية واقتصادية بالنسبة إليها، وذلك لأهميّتها في مجال أمن الطاقة (النفط والغاز)، وتدفقهما الى الأسواق العالمية، التي تسيطر عليها وتحدد أسعارها الی حدّ کبير. إنّ تدفّق النفط الى الأسواق العالمية والتحكم في أسعاره يخدم أمن مصالحها الاقتصادية، ولذلك تحاول الولايات المتحدة الأمريكية منع الاضطرابات والتّوتّرات الأمنيّة في هذه المنطقة، وتحاول تأمين حماية الممرّات البحرية الحيويّة، وخاصة مضيق هرمز الذي يلعب دورًا مهمًّا لتدفّق موارد الطّاقة من دول منطقة خليج الى الأسواق العالمية.
إن ظهور النّفط واستخراجه، في منطقة دول الخليج، كان عاملًا رئيسيًّا لبناء العلاقات الاستراتيجيّة بينها وبين دول العالم، وخاصةً الولايات المتّحدة الأمريّكة الّتي أبرمت العديد من الاتفاقيّات الأمنيّة مع هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، ومن ثم تطورت العلاقات بينهما إلى بناء تحالفات سياسيّة واقتصاديّة وإنشاء قواعد عسكريّة لمواجهة التّهديدات الأمنيّة.
تحالفات إيران الدبلوماسية ومواقف أصدقائها
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في أيران في العام ١٩٧٩، تعاني دبلوماسيتها من عزلة دولية، ولم تجد سوى عدد قليل من الدول التي كانت تتعامل معها وتساندها دبلوماسيًّا وسياسيًّا على السّاحة الدولية، ولم تكن لديها تحالفات استراتيجية حصينة على الصعيدين الإقليمي والدّولي. ومنذ تأسيسها في العام ١٩٧٩ والى العام 2022 لم تظهر استعدادها بجدية لبناء تحالفات مع الدول، أو العمل على تجاوز عزلتها الدولية، التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود من حكمها، اِلّا في العام 2022 عندما حاولت تحسين علاقاتها مع روسيا بشكل مفاجئ وغامض في المجال العسكري. وأمّا علاقاتها مع الصين، فبدأت بصورة جديّة عندما توسّطت الصين في التقارب بين إيران والمملكة العربية السعودية في مارس / أذار 2023. وبعد ذلك، بدأت العلاقات الصينية الإيرانية تتطور بالدرجة الأولى في المجالات العسكرية، التي تضمّنت اتفاقيّات النّفط مقابل الأسلحة والتّكنلوجيا العسكريّة (المحدودة).
إنّ التقارب الغامض، مع روسيا في العام 2022، والنسبي مع الصين في العام 2023، كان يفسر بتشكيل تحالف روسي - صيني - كوري شمالي - إيراني ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. وتمّ والتّرويج له في بعض الأوساط الإعلاميّة، ولاسيّما العربيّة والإسلامية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لكنّ حرب الاثني عشرة يوماً في العام ٢٠٢٥ أثبتت، أنّه لا يوجد أي تحالف استراتيجي بينها وبين الدول الثلاثة الأخرى. وكما أثبتت أيضًا أنّ علاقاتها مع روسيا والصين غير استراتيجية، لأنّ كلا الدّولتين النّوويتين والعضوتين في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ظلتا متفرّجتان على الحرب، التي كانت تعدّ حربًا وجوديّة بالنّسبة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران. وأما علی صعيد قدراتها العسكرية، فإنّها كانت تعتمد بالدرجة الأولى علی تطوير نظام صواريخها واسع النطاق، الذي قد يهدف الی حماية مستقبل برنامجها النووي. واستنادا الی معلومات وتوقّعات الوكالة الدّولية للطاقة الذرية والخبراء والبحاثيين المختصين في هذا المجال، لم يتم تدمير برنامجها النووي بالكامل، على الرّغم من محاولة القصف الشديد للمنشآت النووية، التي كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تعتقدان بأنها تنتج وتختبئ فيها اليورانيوم المخصب. وعلى الرّغم من ذلك، ظلّ من المرجح انّه لم يتم تدميره بالكامل، لأنه كان محصّنًا تحت الأرض، ولذلك اضطرّت الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة من حرب الأثني عشر یوما إلى قصف شديد علی منشأة ناطنز التي كانت تعدّ إحدی أهم المنشآت لإنتاج اليورانيوم المخصب في أيران. ولهذا قررت أدارة دونالد ترامب إنهاء حرب الأثني عشر یوما في العام ٢٠٢٥، لأنّها اعتقدت أنّ البرنامج النووي الإيراني قد تمّ تدميره، لكنّ إسرائيل كانت تشك في ذلك، وحاولت بكل جهودها أقناع إدارة دونالد ترامب بأنّ البرنامج النّووي الإيراني لم یتمّ تدميره بالكامل، وبعد مدّة قصيرة من انتهاء الحرب، ستستمر إيران في تطويره.
من دون شكّ، تعرّض البرنامج النووي الإيراني الی أضرار جسيمة من خلال الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية علی المنشآت النووية، وخاصة بعدما تمّت تصفية العديد من العلماء والخبراء النوويين الذين ساهموا في تطوير البرنامج النووي الإيراني، وبالتأكيد ستؤدي هذه الأضرار الی تأخير أو تعطيل عملية حصول الجمهورية السلامية علی الأسلحة النووية لسنوات عديدة، لكن مسألة تطوير برنامجها النووي ستبقى هدفًا استراتيجيًّا للجمهورية الإسلامية، وفي الوقت نفسه، سيبقی برنامجها نقطة خلاف جوهرية مع الولايات المتعدة الأمريكية وإسرائيل، إذا لم يتغيّر نظام الحكم في إيران.
اندلاع الحرب الحالية ٢٠٢٦
ووفقًا لما جری في حرب الأثني عشر يومًا في العام ٢٠٢٥ ومعطيات ما بعد مرحلة الحرب، وخاصة طبيعة المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بوساطة سلطنة عمان، كان اندلاع الحرب الحاليّة في ٢٨/٢/٢٠٢٦ من جديد متوقعًا، لأنّ إسرائيل كانت ولاتزال تشكّ في تدمير البرنامج النووي، وتصر علی تغيير نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، لأنها تخشى من بقائه في الحكم، واستمراره علی برنامجه النووي في المستقبل.
في بداية هذه الحرب، استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، من خلال الضربات جوية المشتركة، السّيد علي خامني المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران في 28/2/2026، ولكنّ مقتله لا يعنى، بأنّ الحرب قد حسمت وانتهى التصعيد العسكري والتورات الأمنية والأزمات السياسية في منطقة الشرق الأوسط. على الرّغم من مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية ومجموعة من قادتها البارزين، وأضعاف حلفائها الإقليميين، وتوسع رقعة الحرب الى دول المنطقة، وتعطيل عملية تدفق النفط الى الأسواق العالمية، إلّا أنّ موضوع تغيير النظام في ايران (الى يومنا هذا) مكان جدل وخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إذ تسعى إدارة دونالد ترامب إلى إضعافه بهدف فرض شروطها عليه، من دون تغييره، لأنّها تخشى من الفوضى الّتي قد تندلع، ولأنّها لا تريد تكرار ما حدث في العراق بعد الحرب في العام 2003، ولكنّ حليفتها إسرائيل، علی نقيضها، تسعى إلى تغيير النظام، لأنها تعدّه تهديدًا لجودها، وترى هذه الحرب فرصة تاريخية لتغييره، وربما لا تتكرّر هذه الفرصة مرّة أخرى.
معطيات الحرب وتداعياتها
حتّى الآن، تعوّل الولايات المتّحدة الأمريكيّة بالتّنسيق مع إسرائيل، علی استخدام القوة الجويّة والصواريخ ضد إيران بهدف أضعاف قدراتها العسكرية والأمنية، التي قد تمنح الفرصة لقيادات الاحتجاجات والمظاهرات في الداخل، والمعارضة الإيرانية في الخارج لموجهة نظام الحكم في إيران وتغييره، لكن مجريات حرب الأثني عشر یومًا في العام ٢٠٢٥، والحرب (الحالية) ومعطياتهما تشيران، إلی أنّ إضعاف الجمهوريّة الإسلامية في أيران ممكنًا، لكنّ أسقاطها ليست بهذه السهولة، كما يتوقّع بعض أعدائها ومعارضيها أو بعض الباحثين والمراقبين السّياسيّين. ولنفترض أنّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران قد فقد السيطرة علی بعض أجزاء من البلاد بعد الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، ولاسيما بعد مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وقادتها البارزين، أو لنفترض، أيضًا، أنّ النّظام في إيران يشهد الأسابيع الأخيرة من حكمه، فهل يتوافق ذلك مع مجريات الحرب؟
إنّ هذه الفرضيّات الّتي تُناقش في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية، لا تتوافق مع مجریات الحرب، ولا مع المؤشرات والمعطيات الحالية للسياسة الخارجيّة للولایات المتحدة الأمريکية، ولا مع القدرات الداخلية والأقليمية للجمهورية الاسلامية في إيران، التي تتسم بثلاث عوامل واقعية تتعارض مع هذه الفرضيات المتداولة:
1. لا يمكن تجاهل الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في المراحل الماضية، وخاصة المظاهرات الأخيرة التي شهدتها إيران قبل هذه الحرب الحاليّة. ولا يشك أحد في أن الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت في الأعوام ٢٠١٩ و٢٠٢٢ و٢٠٢٣ و٢٠٢٦، كانت تدلّ علی مدی يأس أجزاء كبيرة من المجتمع الإيراني في مواجهة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولاسيما المظاهرات الأخيرة التي هزّت الجمهورية الإسلاميّة في إيران. وبالتّزامن مع هذه التطورات الداخلية، اصطدمت إيران بحرب الأثني عشر يوما في العام ٢٠٢٥، والحرب الحالية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والتي تعتقد بأنها ستشكل التّهديد الخارجي لاستكمال التّهديد الداخلي، الذي قد يؤدي إلی تغيير النّظام في إيران. لا ينفي أحد، أنّ كلا التطورين الداخلي والخارجي أضعفا النظام، لكن الإضعاف لا يعني السقوط، بموجب مجربات إدارة الوضع الداخلي ومعطيات مقاومة التهديد الخارجي لهذه الحرب الحالية.
2. لا توجد مؤشرات واضحة وعلنية، حتّى الآن، إلى انقسامات أو صراعات داخل أجهزة نظام الحكم وقاعدته مثل الجيش والحرس الثوري وأجهزة الأمن والاستخبارات والشرطة المدنية والبسيج (الخ.). استطاعت النّخبة الحاكمة وقاعدتها التي تقود نظام الجمهورية الأسلاميّة في إيران البقاء موحدة ومصمّمة الی الآن، لذلك ستقاوم التّهديد الخارجي، وستحاول بشتّی الأساليب والسّياسات للسّيطرة علی الوضع الدّاخلي في إيران. وقد يعود هذا الی عدم وجود معارضة موحدة ومنظّمة في الداخل والخارج، تمتلك القدرات والمؤهّلات لتغيير النظام في إيران، أو تصبح بديلا لە في يوم ما. علی الرّغم من محاولات إبن الشّاه الأخير (محمد رضا شاه) بجذب المزيد من الأنظار السياسية لنظام الشاه کبديل للنظام الحالي خلال الأحتجاجات والمظاهرات التي جرت في الفترة الأخيرة، إلّا أنّه لا یمتلك مقوّمات النظام البديل للنظام الحالي، ولا يحضی بشعبية في الداخل علی الإطلاق، ولا بمصداقية داخل صفوف المعارضة الإیرانيّة في الخارج، ما يمكن أن یمنحه الفرصة لتوحيد صفوف المعارضة المتشتّتة وقيادتها في عملية تغيير النّظام في إيران. أمّا في ما يخصّ دور المعارضة الكرديّة الّتي تمثّل المكوّن الكردي من الناحية السياسية والشرعية، وتتمتع بخبره سياسية، وتمتلك القدرات العسكرية الی حد ما، وتحضی بمصداقية دولية أكثر من الأطراف الأخری للمعارضة الإيرانية، ستبقى الطبيعة الجيوسياسية لموقع الشعب الكردي في المنطقة تلعب دورا مهما في صيغة مشاركته في هذه الحرب الإقليمية ومتغيراتها المستقبلية، لأن مجريات هذه الحرب غير التقليدية تطرح تساؤلات جوهرية، مثل: كيف ستتصرف المعارضة الكردية في ايران مع مجريات هذه الحرب؟ وكيف سيحافظ أقليم كردستان العراق علی مكتسباته التاريخية وكيانه الدستوري في ظل هذا التصعيد العسكري والمخاوف من تفكيك الشّرق الأوسط وترسيمه من جديد؟ كيف سيتصرف الكرد في سوريا (غرب كردستان) بعد الاشتباكات العسكرية والاتفاقيات السياسية الأخيرة مع الحكومة المؤقتة في سوريا؟ وهل ستستمر المفاوضات الجارية بين الحكومة التركية والکرد حول حل القضية الكردية في تركيا (شمال كردستان)؟ إنّ البحث عن إجابات هذه الأسئلة، یحتاج الی مراجعة سريعة لبعض الأحداث التّاريخيّة التي تمت أستهداف الشّعب الکردي فيها، ومقارنتها مع التّصعيد العسکري والتّوترات الأمنية الحالية في المنطقة. ولهذا، سوف یکون خطأً تاريخيًّا وفادحًا، إذا تتجاهل القيادات السياسية الکردية مجريات الإتفاقيات والمؤامرات التي أستهدفت الشعب الکردي في المنطقة، مثل؛ أتفاقية سايکس بيکو في العام ١٩١٦، ومؤامرة القضاء علی جمهورية مهاباد الکردية في العام ١٩٤٧ في ايران، وأتفاقية الجزائر بين الحکومة الايرانية والعراقية في العام ١٩٧٥، وقمع انتفاضة الشعب الکردي في العام ١٩٩١ في العراق، الذي أدی الی الهجرة المليونية، والأبادة الجماعية للأيزيديين في ٣/٨/٢٠١٤، ومحاولة الأستفتاء علی أستقلال کردستان العراق في العام ٢٠١٧، ومحاولة أجهاض التجربة الکردية في (غرب کردستان) في بداية هذا العام في سوریا.
وبموجب الخلفيات التاريخية والجيوسياسية لصراعات منطقة الشرق الأوسط، ومجريات الحرب الحالية وتداعياتها علی دول المنطقة، لن یحدث تغيير جذري من دون تجارب وأحداث صادمة وکبيرة. لذلك، من الطّبيعي أن یحاول الشّعب الکردي البقاء موحّدًا وحذرا من التحولات السريعة في سياسات القوی الأقليمية والدّول الکبری، الّتي تعطي دائما الأولوية القصوی لأمن مصالحها القوميّة قبل القيم الإنسانية والعلاقات العاطفية.
3. بما أنّ الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية لهذه الحرب غير واضحة، ولا تعوّل علی إدارة دونالد ترامب في ظل مبادئها «أمريكا أولا» و»السلام من خلال القوة»، فإنّها ستستمرّ في استخدام أدوات القوّة الذّكيّة الّتي تكمن في مجالات القوّة الجويّة والتّكنلوجيا العسكرية، وستحاول تجنّب الخسائر البشريّة بعدم استخدام القوّات البريّة. وبما أن إسرائيل أيضًا ليست في وضع يسمح لها أن تستخدم القوّات البريّة، فإنّ كلاهما تحاولان دعم المعارضة الإيرانية، ولاسيما الكردية في مواجهة القوات العسكرية للجمهورية الإسلاميّة ميدانيا، وعلى الرّغم من أنّ الإمكانيات العسكرية للمعارضة الإيرانية محدودة، لکن مع ذلك، هناك الكثير من المؤشرات تدل علی أنّ إضعاف الجمهورية الإيرانية من الناحية العسكرية ممكن، لكنّ هزيمتها أو تغيير نظامها ليس سهلًا، كما يعتقد البعض. وفي هذه الحالة، ستحاول إيران، أو ربّما ستضطرّ أن تستمرّ علی برنامجها النووي بشتی الطرق والأساليب، ولن تتوقّف عن دعم حلفائها في دول المنطقة، ولاسيما حزب الله في لبنان و(حماس) في غزة والحوثيين في اليمن وفصائل الحشد الشعبي في العراق بهدف إحياء محور المقاومة في المنطقة وتقويته من جديد. كما أنّها ستراجع علاقاتها الإقليمية والدولية بعد هذه الحرب، التي قد ستدفع دول الخليج ودول أخری الی تعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أكثر من ذي قبل. بالإضافة إلی موقف الدّول الأوروبية الذي سيتجه نحو التضامن مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ودول منطقة الخليج من جهة اخری، لأن أزمة الطاقة (النفط والغاز) قد تؤدي فجأة الی اختلال كبير في الأسواق العالمية، وخاصة في أسواق الدول الأوربية والآسيوية التي لا تمتلك موارد الطاقة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إذا لم تتوقّف الحرب.
الهدف من هذه الحرب
إنّ ما یجري الآن في منطقة الشرق الأوسط، قد لا تکون مجرّد حرب ذات أهداف محدودة، بل قد تكون لها أبعاد أستراتيجية بعيدة المدی تخدم أمن المصالح القوميّة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ولاسيما تحقيق أهداف الإتفاقيّات الإبراهيمية التي أبرمت في البيت الأبيض في العام ٢٠٢٠، والتي تهدف الی التطبيع مع إسرائيل، وتؤکّد علی أهميّة إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط ثقافيًّا، والاعتراف بوجود شعوب المنطقة، وتعزز أهمية السلام والتسامح، وأحترام کرامة الأنسان، وحرية المعتقد والدين، ولا تمنح الفرصة لإحياء الأمبراطوريّات البائدة والأنظمة التي أضطهدت الشعوب والأقليات الدينية من جديد.