إتفاقية 11 آذار.. محطّة مفصلية في مسار القضية الكردية
جواد كاظم
تُعدّ اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970 واحدة من أهم المنعطفات السياسية في تاريخ العراق الحديث، ومن أبرز المحطات في مسيرة نضال شعب كردستان من أجل نيل حقوقه القومية والديمقراطية. فقد مثّلت هذه الاتفاقية، التي جرى التوصل إليها بين القيادة الكردية بزعامة القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني والحكومة العراقية آنذاك، أول اعتراف رسمي من قبل الدولة العراقية بالحقوق القومية لشعبنا، بعد عقود طويلة من الصراع السياسي والعسكري.
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ظلّ الكردستاني ونيطالبون بالاعتراف بوجودهم القومي وبحقوقهم الثقافية والسياسية ضمن إطار الدولة العراقية. غير أن الحكومات المتعاقبة غالبًا ما تعاملت مع هذه المطالب بمنطق أمني وعسكري، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع العديد من الثورات والانتفاضات في كردستان.
منعطف مهم
وجاءت ثورة أيلول عام 1961 بقيادة البارزاني الخالد لتشكل منعطفًا مهمًا في مسار القضية الكردية، حيث استمرت سنوات طويلة واستطاعت أن تفرض نفسها كقضية سياسية داخلية ذات أبعاد إقليمية ودولية. ومع تعاظم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية على الحكومة العراقية، باتت الحاجة ملحّة لإيجاد حل سياسي ينهي الصراع ويعالج جذور المشكلة.
وفي هذا السياق، جرت سلسلة من المفاوضات بين القيادة الكردية والحكومة العراقية، انتهت بالإعلان عن بيان 11 آذار 1970 الذي نصّ على منح حكم ذاتي لمنطقة كردستان ضمن الدولة العراقية.
جاءت الاتفاقية لتضع إطارًا سياسيًا ودستوريًا لمعالجة القضية الكردية، وتضمنت عددًا من البنود الجوهرية التي هدفت إلى ضمان حقوق الكرد القومية والثقافية والسياسية، ومن أبرزها:
* الاعتراف بالشعب الكردي كقومية رئيسية في العراق إلى جانب القومية العربية.
*منح الحكم الذاتي لمنطقة كردستان ضمن الدولة العراقية.
*اعتماد اللغة الكردية لغةً رسمية في المناطق الكردية إلى جانب اللغة العربية.
*مشاركة الكرد في مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية.
*إعادة إعمار المناطق الكردية التي تضررت بسبب العمليات العسكرية.
*إعادة المهجرين وتعويض المتضررين من أبناء كردستان.
*ضمان الحقوق الثقافية والتعليمية للشعب الكردي.
كما نصّت الاتفاقية على فترة انتقالية مدتها أربع سنوات يتم خلالها استكمال الإجراءات اللازمة لتطبيق نظام الحكم الذاتي.
شكّلت اتفاقية 11 آذار مكسبًا سياسيًا كبيرًا لشعب كردستان، وحققت عددًا من الإنجازات التي تركت أثرًا عميقًا في مسار القضية الكردية، من أبرزها:
اولًا:للمرة الأولى في تاريخ الدولة العراقية، تم الاعتراف رسميًا بالكرد كقومية رئيسية في البلاد، وهو ما مثّل تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي الرسمي تجاه القضية الكردية.
ثانيًا:أتاحت الاتفاقية للكرد استخدام لغتهم في التعليم والإدارة والإعلام، الأمر الذي أسهم في تعزيز الهوية الثقافية الكردية بعد سنوات من التهميش.
ثالثًا:شهدت تلك المرحلة مشاركة شخصيات كردية في مواقع حكومية وإدارية مهمة، ما عزّز مبدأ الشراكة في إدارة البلاد.
مشاريع خدمية
رابعًا:بدأت الحكومة بتنفيذ بعض المشاريع الخدمية والعمرانية في مناطق كردستان، في محاولة لترجمة بنود الاتفاقية على أرض الواقع.
خامسًا:أثبتت الاتفاقية أن القضية الكردية ليست مسألة أمنية أو عسكرية فحسب، بل قضية سياسية تتطلب حلولًا عادلة قائمة على الحوار والاعتراف المتبادل بالحقوق.
على الرغم من الأهمية التأريخية للاتفاقية، فإن تنفيذها واجه عقبات كبيرة نتيجة الخلافات بين الطرفين حول قضايا أساسية، أبرزها تحديد حدود منطقة الحكم الذاتي ومصير المناطق الكردستانية خارج الإقليم، وفي مقدمتها كركوك.
ومع تصاعد التوتر وإخفاق الجهود الرامية إلى تنفيذ بنود الاتفاقية بشكل كامل، أعلنت الحكومة العراقية عام 1974 قانون الحكم الذاتي من جانب واحد، وهو ما رفضته القيادة الكردية، لتعود المواجهات العسكرية من جديد وتدخل القضية الكردية مرحلة أخرى من الصراع.
اذا كانت اتفاقية 11 آذار لم تُطبّق بالكامل، فإنها تبقى محطة مفصلية في تاريخ نضال شعبنا الكردستاني، لأنها جسّدت لأول مرة اعترافًا رسميًا بحقوقنا القومية، وكرّست مبدأ الشراكة في الوطن، وأكدت أن الحل العادل للقضية الكردية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار السياسي والاعتراف المتبادل بالحقوق.
لقد شكّلت هذه الاتفاقية أساسًا سياسيًا وفكريًا للتطورات اللاحقة في القضية الكردية، وأسهمت بشكل غير مباشر في ترسيخ التجربة السياسية لإقليم كردستان بعد عام 1991، لتبقى ذكرى 11 آذار رمزًا لمحاولة تاريخية جادة لإرساء السلام والعدالة.