الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اللحظة التاريخية والمغول

بواسطة azzaman

اللحظة التاريخية والمغول

محمد زكي ابراهيم

 

لا يمكن للثقافة أن تنمو في بيئة مجدبة، أو تزدهر في وسط عقيم، ولا تستطيع العيش في أجواء مريضة، أو تقوى على التمدد في فضاءات معتمة، فهي كائن حي يحتاج أن يكبر ويتطور، ويعضده جمهور واع يقدم له الدعم، ومناخ حر يمنحه كل ما يرغب فيه من جرأة.

 غير أن الواقع لا يدعم هذه الظاهرة دائماً، ولا يؤيد ما تصالح عليه الناس بهذا الخصوص، فهناك استثناءات كثيرة، ازدهرت فيها سوق الأدب في ظروف القهر، وانتعشت الفنون في أزمنة الاستبداد. وشهدت بيئات أخرى تمتع فيها الناس بالأمان، واطلقت فيها الحريات، واختفت الرقابة، انحساراً كاملاً للمواهب وفتوراً واضحاً في الملكات الفنية.

 فقد تبين مثلاً  أن العصر المغولي الذي أعقب سقوط بغداد عام 1258 م، شهد إنجازات  أدبية وفكرية واسعة، أثناء حكم أولاد وأحفاد هولاكو، رغم أن هؤلاء الملوك ارتكبوا مجازر بشعة، ودمروا البلدان، وأتوا على ما فيها من حضارة.

فمن الأسماء التي ظهرت فيه  الخواجة نصير الدين الطوسي، الذي اصطحبه هولاكو معه إلى بغداد، بعدما أعجب بذكائه الحاد، ونبوغه العالي.

وكان يعيش في كنف الاسماعيليين في قلعة (ألموت) في بلاد فارس، وقد وصفه أحد معاصريه بأنه رجل واسع الاطلاع في جميع فروع الفلسفة، ألف كتباً كثيرة في المنطق والعلوم وما وراء الطبيعة، وكتب شروحاً على كتب إقليدس وأفلاطون وأرسطو، وكانت له أنشطة مختلفة سواء في علم الفلك أو في إدارة المؤسسات الدينية في البلاد الخاضعة للحكم المغولي.

  وفي هذا العصر أيضاً ظهرت المدونات التاريخية الكبرى مثل (جامع التواريخ) للوزير رشيد الدين الهمداني، الذي بدأ حياته طبيباً، ثم انصرف عن الطب إلى التاريخ، ووضع فيه العديد من المؤلفات المهمة، وقيل أنه كان المنظم الرئيس للدولة، وفي ذات الوقت دون عطا ملك الجويني كتباً عن تاريخ المغول في عصر جنكيز خان، أما حمد الله المستوفي القزويني فقد ألف كتاباً في الجغرافية اسمه (نزهة القلوب)، وآخر في التاريخ اسمه (ظفر نامة) هو عبارة عن منظومة قصصية مطولة.

 وفي هذا العهد الذي انتهى بوفاة السلطان (أبي سعيد) حفيد هولاكو، ظهر جلال الدين الرومي (ت 1273م)، مؤسس الطريقة الصوفية المولوية التي انتشرت في أنحاء تركيا ومناطق إسلامية أخرى، وقد ترك كتاباً ضخماً عرف بالمثنوي، وهو ضرب من الشعر القصصي، حاز على شهرة واسعة في الشرق والغرب على حد سواء!.

 وفي هذا العهد ظهر شعراء كبار منهم سعدي الشيرازي (ت 1291م) وهو صاحب الكتاب الشعري المعروف (بستان) وكتاب نثري آخر عنوانه (كلستان) وله ديوان شعر بالعربية أيضاً. كما ظهر في ذات الحقبة شعراء كبار مثل صفي الدين الحلي (ت 1349م).

وازدهرت مدرسة الحلة، وبرز فيها فقهاء ومفكرون كبار مثل ابن إدريس والمحقق الحلي والعلامة، وقد باتت الحلة مقصداً للطلبة والدارسين، الذين هبطوا عليها من أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي.  وبوسع المرء أن يستخلص أمثلة كثيرة من تاريخنا المعاصر، تدل على أن الاستبداد لم يفلح في لجم قدرات مفكرين كبار، برغم ما عانوه من الأذى، كما أن إطلاق الحريات لم ينجح في إنتاج أدباء لامعين عاشوا في أجواء مشجعة وآمنة.

ويبدو أن هناك  لحظات فارقة في التاريخ، هي التي تلقي في مجتمع ما بذور نهضة فكرية وعمرانية، تكون مقدمة لحياة رخية خالية من المنغصات والأكدار، وأن الغرس الذي وضعه هؤلاء أثمر في أماكن مختلفة من هذا العالم، تمخض عن ظهور الحضارات الكبرى، التي مازالت تشد إليها القلوب والعقول، رغم مرور السنين وتعاقب الأجيال.

 


مشاهدات 33
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/02/20 - 11:15 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 12:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 46 الشهر 15912 الكلي 14947555
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير