الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مختارات عبد المنعم حمندي.. حارس الكلمة وقناص الصور في محراب هندسة القصيدة


مختارات عبد المنعم حمندي.. حارس الكلمة وقناص الصور في محراب هندسة القصيدة

عبد العظيم محمد

 

برز الشاعر عبد المنعم حمندي ( صوتا شعريا ) ضمن جيل السبعينات ، ولكن بشكل مختلف من خلال تجربة مغايرة بتمرد متمكن عن الجلباب الضيق لاقرانه ، منذ نشأته وحتى الان بداء حمندي بكتابة الشعر العمودي ثم انعطف باقتدار الى شعر التفعيلة الامر الذي جعله حالة فريدة في التنوع الايقاعي الذي يلامس الوعي النفسي في التناول .. ويمكننا القول ان ما يميز المبدع عبد المنعم حمندي في رحلته الشعرية المرتبطة بالوطن والغربة واسرارها فهو لم يلتفت الى ذلك الصخب الشعري الذي يفقد في أغلب الاحيان فعله وتأثيره ، بل ابتعد ليعلن عن الحداثة وتلك التقليدية المتفردة بالهدوء وهو يرسم لنا أجمل وادق الصور بلغة فنية غنية رصينة عالية المستوى عن الاغتراب وذلك الوجع الداخلي الذي يشتعل دوما ليعلن عن ذلك الألم وتلك المعاناة التي يشكو منها الوطن والتاريخ وتلك الروزنامة المثقلة بالهموم الصارخة المشبعة بالقسوة التي ما زالت محفورة في ذاكرتنا عبر اجيال لم ولن تعرف غير ذلك الطرح الواعي ليذكر من أصابهم( الصمم ) .. هكذا عودنا حمندي عبر مسيرته الشعرية ان يعيد رسم المشاهد بدراية فنية وواقعية ، فأن الزمن لديه لا يخلو من اعادة صياغة الذاكرة الجمعية من خلال الموت والوجع ، ليس ذلك المرتبط بالوطن ولكن الذات هي الاخرى حاضرة دوما ، بل وملازمة للوطن ، إذ يذكرنا دائما كيف تحول الوطن الى غابة موحشة من الحرمان وهدر للكرامة .. نعم ان مسيرة حمندي الإبداعية عبر مجاميعه الشعرية البالغة (17 ديوانا شعرها ) نذكر منها اتيتك غدا ، دخان الشجر ، اول النار ، طواف في ناي ، نهر ظمي ، لذائذ الجمر واليقين ، معراج اخر القيامة ، ليل الغاب ، الصقر واصفاد الريح ، الادريس والهدهد .. كما صدر له كتاب ( لغة السياط ) الذي يتحدث عن تأريخ الاسر ووقائع تعذيب الأسرى العراقيين في اقفاص الاسر الإيرانية واخر بعنوان ( امير صعاليك بغداد ) وهو اقتفاء اثر حياة عبد الأمير الحصري .. وبصراحة اقول ان المتابع لما يطرحه حمندي يجده يكتب القصيدة برؤية سردية مع التركيز على الرمزية التي تكشف لنا الكثير من التعرية لزيف العلاقات وذلك الزمن الذي يشكو الانحدار في كل شيء الامر الذي يجعل نتاجه الأدبي قذيفة موجه تعلن الاحتجاج الكبير بلغة فنية وجمالية تضعنا نتجول في درابين موجعة تعلن عن موقف وطني كبير بلغة سهلة دون تعقيد ذلك ان الإيقاع الشعرية المتنوع لديه يؤكد صدقه الداخلي وذلك التوتر الذي يلازمه حتى آخر( صرخة صورية ) في قصائده لانه يؤمن بالامل المعجون في أغلب الأحيان باليأس وتلك الرؤية الفلسفية في التناول ليشكل حاله شعرية تميزت عن غيرها الامر الذي يدعونا الى التأكيد ان تجربة الشاعر الكبير عبد المنعم هي واحدة من التجارب الغنية التي اعلنت عن ولادة فريدة في الوسط الشعري والثقافي السبعيني ممكن ان نسميها صرخة مدوية مملوءة بالوجع والألم المزمن ليس وجع العراق فقط ، بل وجع الوطن العربي .. ومن اجل ان تكتمل الصورة لا بد من الولوج الى الهوية الشعرية التي تميزت بتماسك النص وذلك الرمز التأريخي من خلال منجزه الجديد الذي حمل عنوان ( مختارات عبد المنعم حمندي ) التي صدرت عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق والذي ضمت رحلة شعرية عذبة اللغة والصورة والموسيقى المختارات احتوت على 33 قصيدة في 176 صفحة من القطع المتوسط وتنقسم المختارات الى ثلاثة أبواب( المحنة ، الحب ، وجع الروح ) في باب المحنة يتناول الوطن المثقل بالجراح من خلال 12 قصيدة تنوع فيها النزيف الصارخ وتلك الصراعات مع التحولات الكبرى اذ اطلق الشاعر ذلك الألم الذي مزق دواخله وهو يتنفس هواء العراق برئة نظيفة رغم الجرح النازف لتصبح القصيدة قضية تحفر في الذاكرة وتجعل المتلقي يغوص في الفجيعة من خلال صور بليغة لذلك الوجع المستمر والمحبوس في الداخل ليتفجر الى نصوص تحاكي الماضي الأليم

ففي قصيدة ( في ظلمة البئر ) يقول :

اطفو .. كما تطفو البلاد على المياه الاسنة

انا معا .. في ظلمة البئر العميقة

والممرات هنا مثل الأفاعي لامعات بل مقفلات

من ذا الذي يأتي لينقذنا وياخذنا الى النهر 

ويغسل قلبنا وجروحنا

ويطهر الآثام فينا ؟

وياتي الشاعر لينقلنا عبر قصيدة( معراج الذاكرة ) التي تصرخ من خلال ضحية الشهداء  وتلك الدماء وذلك الموت فيقول :

او تذكرون الليل افواجا من الشهداء

قد جاءوا إلينا واجمين

وقالعين عيونهم

ماذا ستحمله الأكف .. ؟ : فجائعا

ماذا ستحمل للسموات الدماء ؟

ويعرج ليقول :

انا الذبيح .. انا الذبيح

من الحسين إلى المسيح

او تذكرون دموع أشجار القرى

وانا أرى..

وانا أرى .. حمى لظى

الإسمنت عيني طفلة

في السقف ألصقتا

من فرط صبوتها الدما تتضرع

اذا ان المختارات لم تعد مجرد تجميع لقصائد متفرقة ، بل انها رحلة شعرية طويلة تنوعت فيها القصيدة العمودية والتفعيلة وفي ( باب الحب ) الذي ضم 7 قصائد يكشف لنا عبد المنعم ان رحلته في هذا الباب لا تخرج عن تجارب شخصية قد تكون هي محطة لسحب النفس بهدوء ويحاول ان يستنشق الهواء بعيدا عن مأساة الوطن حتى اصبحت المرأة في قصائده هي الحياة الباسمة رغم ( غبار السنين ) ، انها رحلة استراحة رحلنا معها بعيدا عن الهموم ومع ذلك نجد ان الحب لديه لا يخلو من مطاردة وصراع محبب ، إذ في قصيدته ( قبلتان على النافذة ) يقول:

كم أطلت الوقوف على بابها

وانتظار يقود الى شرفة

في الجنان

حين مرت هناك ، ربما عبرت

ظلها كان ذلك الضياء القريب

يعيد الي ازدهار الفتوة والعنوان

وفي قصيدة ( لم ازل قابضا جمرة الحب ) يخاطب بلغة محببة اختلط فيها الحنين بالعتب وذلك الشوق والبحث الدائم عن الصبر الجميل فيقول :

لمت قلبي على لومه

قلت : من كان يدعو عليك ؟

فأجابت : وما كان ذنبي

قلت : ذا قدري غاب مكتربا ثم عاد إليك

وانا قمر نوره في يديك

وفي الباب الاخير ( باب وجع الروح ) الذي تضمن 15 قصيدة .. هنا نجد الشاعر حمندي يخاطب نفسه متحديا يستذكر الموت واوجاعه ويغوص في سنوات الحصار الذي واجه الصمود بقوة التحدي ولا ينسى بغداد وما تركته من دمار ومأساة معرجا على رسم صورة المواجهة والتطلع للحياة رغم قساوة الدمار وشبح الموت الذي يطارد الجميع .. ففي قصيدة ( الشوارع ) يقول :

تنام الشوارع ، تصحو بأوجاعها

والسماولت تهبط نحو بنتها

هبطنا معا وارتفعنا

ولم يبرق الرعد .. كيف يحن المطر ؟

تنام العصافير بين الغصون

واعشاشها من دموع الشجر

وفي قصيدة ( دمي مثل موتي ابيض ) يقول :

اقرأ الريح في نهنهات الشجر

في صرير الشبابيك

في أغنيات المطر

اتقصى الضغائن بين الحفر

اتهجى الخراب ونيرانه

وارى الناس من دونما لغة ينبحون

وارى في الحرائق صناعها يقذفون

وارى مدنا تتهدم أسوارها

حيث تمحى وحراسها يسخطون

واخيرا نقول .. تعد تجربة الشاعر المبدع عبد المنعم حمندي من التجارب المهمة المتمكنة والتي امتازت عن التجارب الشعرية الاخرى بالرصانة التي حافظت على العلاقة الجدلية بين القصيدة الكلاسيكية والحداثة بلغة معاصرة عالية الدقة .. ان مختارات حمندي الشعرية ليست مجرد قصائد متنوعة ، بل هو صك ممهور لمن يبحث عن رصانة اللغة في الشعر العراقي .. انها تعد اطروحة جمالية لمسيرة شاعر لم يغادر ( مغارته ) الشعرية رغم الاعاصير والمواجع التي رافقت حياته ومعايشته التي تنوعت بين الألم والحرب والحب في زمن خلع ثوب الجمال الفكري والانساني ليعانق التسطح الذي ابتعد عن الموقف الاخلاقي والوطني في رسم الصورة الحقيقية لما يعانيه المواطن والوطن وما تعانيه الشعوب والأمة تاركا تحليل الحقائق في خبر كان .. هذا ما اختلف به الشاعر عبد المنعم عن غيره حتى ظهر الحزن المبرر والصارخ على معظم القصائد لانه خير من تحسس الى عمق الجرح الذي ما زال ينزف دون توقف وتلك المأساة التي ولدت ( جيلا ) من الاوفياء لتربته وبلده وشعبه ممثلا بالشاعر حمندي الذي لم يكتف تحسسه للجرح الوطني ، بل امتد الوفاء لذلك الجرح العربي النازف من خلال نصوصه المشحونة بالانتماء العربي لكل بلاد العرب دون استثناء ، حتى وجدنا ذلك النضج الكبير في التناول لأن عروبيته كشفت عن قدرته في الاستعارة ليعلن عن تجربة شعرية ملغومة بالعاطفة التي تجاوزت أسوار الحدود لتعانق الحب الكبير الذي امتد للكشف عن عوالم تراجيدية اثرت في وجدانه بعيدا عن الرتابة التي اعتدنا ان نجدها عند اقرانه من الشعراء .. بل ممكن القول ان الشاعر حمندي يعرف كيف يتأمل الزمن من منظور فلسفي عميق ، فهو شاعر الأرض وتراتيل الذكرة العراقية والنزعة الانسانية الذي ينتفض للأرض والأنسان في صراع البقاء والعدم بعد ان اتخذ من العراق منصة للانطلاق نحو آفاق شمالية وعلى ضوء ذلك يحق لنا ان نطلق على الكبير عبد المنعم حمندي حارس الكلمة وقناص الصور والدلالة الرمزية المتفردة في محراب هندسة القصيدة


مشاهدات 22
الكاتب عبد العظيم محمد
أضيف 2026/03/03 - 2:19 PM
آخر تحديث 2026/03/04 - 3:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 3339 الكلي 14957408
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير