الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف الغريب (13)

بواسطة azzaman

تطواف الغريب (13)

حسن النواب

 

دعاني صديقي الشاعر الأسترالي بيتر جفري لحضور أمسية شعرية بمناسبة يوم الاعتذار ويسمى هنا في أستراليا «Sorry day» وهو يوم يعتذر الأستراليون فيه من السكان الأصليين لهذه القارة الذهبية، فهم أول الناس الذين دشَّنوا وسكنوا هذه القارة قبل مئات السنين ويطلقون عليهم تسمية «الأبروجنول» الذين تتميز صفاتهم بلون البشرة السخامية الطاعنة بالسواد ورؤوسهم الكبيرة وأنوفهم وشفاههم المفلطحة وقوامهم الذي يميل إِلى الضخامة والبدانة وقلوبهم الطيبة جدا، وأغلبهم في الوقت الحاضر يدمنون تناول الكحول والحشيشة والمخدرات ويتخذون من الساحات العامة والحدائق مأوى لهم، لم يكونوا هكذا في السابق ولكن بعد دخول طلائع القوات البريطانية لهذه القارة حاولت السيطرة عليهم فوضعتهم بسجون منعزلة وفرقت عنهم أبناءهم الصغار في مخيمات خاصة ومن ثم صارت ترسل هؤلاء الأطفال إِلى دول أخرى للاستفادة منهم في شتى الأعمال الشاقة، بل أنَّ بعض الأطفال تعرضوا إِلى الاغتصاب كما تشير الوثائق والبراهين، ولذا قرر الشعب الأسترالي أنْ يكون هناك يوماً خاصاً للاعتذار من هؤلاء  السكان الأصليين، وحين طلبوا من رئيس الوزراء السابق جون هاورد تقديم الاعتذار لهم بشكل رسمي رفض هذا الطلب، مما دعا الأستراليون للخروج بتظاهرة كبيرة على جسر سدني الشهير حضرها أكثر من مئة ألف أسترالي طالبوا بها الحكومة بالاعتذار، غير أنَّ رئيس الوزراء كيفين رود رئيس حزب العمال قدَّم لهم هذا الاعتذار بشكل رسمي. في الأمسية التي حضرتها كان هناك مجموعة من الشعراء الأستراليين مع شاعر من السكان الأصليين الذي تحدث عن معاناته يوم كان طفلا وقد أثارت سيرة حياته المعذبة حرجاً عند الأستراليين الحاضرين الذين شعروا بالأسف على ما تعرَّض له من ظلم في حياته، وقدموا له الاعتذار جميعا ثم قرأوا شعرا يدين تلك التصرفات الغير إنسانيه بحق السكان الأصليين، وساهمت بقصيدة أنشدتها باللغة الإنكليزية قلت بها:» الليل.. هو الرجل الأسود ولولا الليل لما كان بوسعنا أن نرى قمراً منيراً ونجوما ساطعة، ولولا الليل لم نعرف الأحلام». بعد انتهاء الأمسية ركضت أفكاري إِلى البلاد وقلت مع نفسي ترى هل من الممكن أنْ يكون هناك يوما للاعتذار في بلدي؟ يعتذر به الساسة الطغاة واللصوص إِلى الشعب لأن وعودهم له لم تتحقق، ويعتذرون نتيجة الأموال التي هدرت، ومن الفساد الذي أصبح يزكم الأنوف، ويعتذرون من أهالي الضحايا الذين قتلوا نتيجة المصالح المتضاربة بين السياسيين، وقلت ترى هل يعتذر الإرهابيون من أفعالهم الإجرامية التي يندى لها الجبين؟ وهل يعتذر الساسة إِلى الشعب على السحت الحرام الذين يكنزونه في بطونهم وقصورهم، أجل حلمت أنْ يتحقق في بلادي يوما يدعى يوم الاعتذار نبادر به جميعا للاعتذار من أية إساءه صدرت منا بحق الآخرين، لكني فكرت بأمريكا وقلت ترى هل ستعتذر ذات يوم لبلدي، وفكرت بنفسي وقلت إذا ما تحقق هذا اليوم فلمن سأعتذر؟ ولم أجد هناك من أعتذر له! لأن الآخرين ممن قدمت لهم يد العون هم من طعنوا ظهري وقلبي وشجّوا رأسي؛ ولذا سأعتذر لنفسي أولاً؛ لأني حمَّلتها من العذاب والأسى مالم يتحمله أسير تحت سطوة جلاد شرير، ومع ذلك أقول لنعتذر ولنجعل في بلادنا يوماً للاعتذار؛ فما أكثر ذنوبنا وبالشحة أعمالنا الصالحة في هذا الزمان.

 


مشاهدات 46
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/03/16 - 10:51 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 14005 الكلي 15006074
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير