الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة صنع الذات لدى ياس خضير البياتي

بواسطة azzaman

أذن وعين

رحلة صنع الذات لدى ياس خضير البياتي

عبد اللطيف السعدون

 

عندما فرغت من قراءة (خطوط الزمن)، سيرة حياة ياس خضير البياتي، خيل إلي أنه لا بد أن الكاتب قد اكتشف مبكرا أن الحياة ليست رحلة للبحث عن الذات إنما هي رحلة لصنع الذات على النحو الذي نصحنا به سقراط قبل قرون عندما دعانا أن نصنع لأنفسنا حياة يصعب تقليدها، وأحسب أنه نجح في ذلك للحد الذي جعلنا نتعاطف مع مسار حياته عندما ظهر فيها متواطئا مع خطوط الزمن بتعرجاتها، واستقاماتها، وكذلك بارتكاباتها حين تفرض أعباء صعبة لا يجد المتلقي بدا من القبول بها طائعا أو مرغما.

يفرش ياس البياتي أمامنا خطوط زمنه في سردية تتوزع على فصول تحمل في ثناياها ملامح من الرواية، والمقالة، وحتى من التحقيق الاستقصائي والسيناريو التلفزيوني، وهي الفنون التي برع في استخدامها من خلال تجربة مهنية عريضة امتدت أزيد من خمسين عاما تنقل خلالها بين أمكنة عديدة، وعوالم مختلفة، تشربها وانغمس فيها الى أن حط رحاله في بقعة شمالية الهوى مفضلا العزلة لكن مبقيا على صلته الحميمة مع العالم عبر الكتابة التي كان جديدها ما نحن بصدده في هذه المقالة.

القراءة الأولى لسيرة البياتي تنبئنا أنه لم يرد لها، حتى بتفصيلاتها الصغيرة، أن تبقى أسيرة ذهنه، أو حبيسة أرشيفه الخاص وإنما فضل أن يعرضها كما هي ابتداء من يوم ولادته وحتى أيامنا هذه، وعلى وقع تقاطع أزمنة مختلفة لا تمنح القارئ طمأنينة السائد إنما تدخله في شبكة خيوط غير مكتملة تاركة له متعة فكها على النحو الذي يريد.

 

وإذ لا تتسع المساحة المعطاة لهذه المقالة لرصد ما تحمله «خطوط الزمن» من تنوع جاز لنا أن نقسم الكتاب رياضيا، وسوف نجد أنفسنا نتنقل بصحبة عالمين يكمل أحدهما الآخر: عالم الحياة الخاصة التي تسترشد بوقائع محددة عاشها الكاتب، وانعكست على مسارات حياته اللاحقة، وصنعت تأثيرها عليه، وعالم الشؤون العامة التي استقطبت اهتمامه، وصقلت شخصيته، وعاش فيها كما عانى منها، وهكذا هي، كما وصفها، «سيرة وطن ومواطن».

من بين ما رصدناه في هذه السيرة حدث ذو دلالة خاصة استقاه الكاتب من سيرة أبيه، كان أبوه شيوعيا، ثم تخلى عن شيوعيته وعن السياسة أيضا، ليتوجه إلى استلهام الدين، ليعمل، من دون مقابل، مؤذنا في جامع الحي الذي يسكنه، وراء هذا التحول اللافت اكتشافه أن «السياسة في العراق أكذوبة كبيرة»، هذه العبارة انزرعت في أعماق ياس البياتي، وشدته إلى أبيه، وجعلته، هو الآخر، ينفر من السياسة، وأن تعرف الى الشيوعيين، كما تعرف الى القوميين والبعثيين وصولا الى الاسلاميين، وخرج من طوافه غانما من دون أن ينتظم معهم، وظلت حكمة أبيه في ذاكرته، وبسببها تحمل الكثير.  

في منعطف زمني آخر حاصر أفراد من ميليشيا «الحرس القومي» التي أنشأها البعثيون بعد انقلاب 1963 منزل أسرته قصد اغتيال والده الذي كان محسوبا على الشيوعيين حتى كاد أن يموت أمام عينيه، وفي مشهد مختلف شاهد نهاية ثلاثة عشر إنسانا قتلوا بدم بارد بسبب نزاع بين قبيلتين، في حينها أدرك مبكرا كيف تفعل صراعات الأحزاب، وكذا العشائر فعلها في تأجيج لغة العنف والكراهية والدم وسط مجتمع متنوع متآلف، حينها أدرك أن السياسة في العراق ليست «أكذوبة كبيرة» فحسب إنما هي أيضا «ثارات عشائر» و»صراعات أحزاب».

تركت هذه الانكسارات المثيرة جروحا غائرة لدى ياس البياتي، ودفعته للذهاب إلى «مكان أعمق داخل الغابة»، هناك اكتشف نفسه من جديد، وشرع يضع مدماكا في فلسفة الاختلاف، ووجد ضالته في الكتابة على الحد بين الصحافة والعلم، وقد جعلته الكتابة يتجاوز العالم المحيط به والذي «تكثر فيه الخسارات، وتضيق فيه فرص البقاء»، وشرع في تأسيس حال جديد عبر عنه بمحتوى جعله يصنع لنفسه حياة يصعب تقليدها.


مشاهدات 48
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/02/27 - 11:50 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 79 الشهر 21432 الكلي 14953075
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير