هل يعود الباص الاحمر للتجوال في بغداد؟
جواد الرميثي
لم يكن “الباص الأحمر” مجرد وسيلة نقل تابعة إلى مصلحة نقل الركاب ، بل كان علامةً فارقة في ذاكرة البغداديين ، وصورةً يوميةً مألوفةً وهي تشق طرقات بغداد من الصباح الباكر حتى ساعات المساء .
كان حضوره جزءاً من إيقاع المدينة ، ومن نظامها ، ومن أناقتها أيضاً .
ذلك اللون الأحمر المميز لم يكن اختياراً عابراً ، بل صار رمزاً للانضباط والالتزام ، ولخدمة عامة منتظمة اعتمد عليها الموظف والطالب والعامل وربّة البيت . كان الباص الأحمر يوحّد الناس تحت سقفٍ واحد ، بلا تمييز ، ويمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار ، في زمن كانت فيه الدولة حاضرة بخدماتها في تفاصيل الحياة اليومية .
اليوم، ومع ما تعانيه العاصمة من ازدحامات خانقة ، وفوضى في وسائل النقل الخاصة ، وارتفاع في كلفة التنقل ، يعود السؤال بإلحاح: أليس من الضروري إعادة تجربة الباص الأحمر بروحٍ عصرية؟ أليس من حق بغداد أن تستعيد واحداً من أجمل رموزها الخدمية؟إن إعادة الباص الأحمر ليست مسألة حنينٍ إلى الماضي فحسب ، بل هي خطوة عملية لمعالجة أزمات الحاضر .
فوجود أسطول نقل عام حديث ، منظم ، يعمل وفق جداول زمنية دقيقة ، من شأنه أن:
يخفف الضغط عن الشوارع ويقلل الازدحام
يحدّ من التلوث البيئي عبر تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة .
يوفر وسيلة نقل آمنة وبكلفة مناسبة لذوي الدخل المحدود .
يعيد الثقة بدور الدولة في إدارة الخدمات العامة .
طاقة نظيفة
ويمكن أن تكون العودة هذه المرة أكثر تطوراً ، من خلال إدخال باصات حديثة مكيفة ، تعمل بالطاقة النظيفة ، مزودة بأنظمة تتبع إلكترونية ، وتطبيقات هاتفية لمعرفة أوقات الوصول والانطلاق .
عندها لن يكون “الباص الأحمر” مجرد استعادة لذكرى، بل مشروعاً حضارياً يليق ببغداد اليوم .إن المدن العريقة لا تتخلى عن رموزها الناجحة ، بل تطوّرها . وبغداد ، بتاريخها الممتد وعمقها الحضاري ، تستحق نظام نقل عام متكامل يعكس صورتها الحقيقية كعاصمةٍ نابضة بالحياة .فهل نشهد قريباً عودة الباص الأحمر ليجول في شوارع بغداد ، حاملاً معه روح الماضي بثوب المستقبل؟
سؤالٌ ينتظر قراراً شجاعاً ، وإرادةً تؤمن بأن بناء المدن يبدأ من خدمة الإنسان .