الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تصير الكلمة طريقاً .. الأدب الصوفي ورحلة البحث عن المطلق


حين تصير الكلمة طريقاً .. الأدب الصوفي ورحلة البحث عن المطلق

عصام البرّام

 

يُعد الأدب الصوفي واحدا من أكثر التجارب الأدبية والروحية عمقا في التراث العربي والإسلامي إذ لا يكتفي بتجميل اللغة أو استعراض البلاغة بل يسعى إلى تحويل الكلمة إلى جسر يصل بين الإنسان والمطلق وبين الظاهر والباطن وبين الجسد والروح. إنه أدب الرحلة الداخلية حيث يصبح النص سلوكا ويغدو المعنى تجربة معيشة لا فكرة مجردة. ومن هنا تنبع خصوصيته بوصفه أدبا يتجاوز حدود الزمان والمكان ليخاطب جوهر الإنسان في شوقه الدائم إلى الحقيقة والمحبة الإلهية.

نشأ الأدب الصوفي في سياق ديني وروحي اتسم بالزهد والبحث عن الصفاء الداخلي كرد فعل على مظاهر الترف والسلطة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا الزهد لم يكن انقطاعا عن العالم بقدر ما كان سعيا إلى إعادة ترتيب العلاقة معه عبر تطهير القلب وتحرير الروح من أثقال الأنا. ومع تطور التجربة الصوفية تحولت هذه الرؤية الروحية إلى خطاب أدبي ثري استخدم الشعر والنثر والرمز والحكاية للتعبير عن حالات وجدانية لا تستوعبها اللغة المباشرة.

المحبة الإلهية تشكل المحور المركزي في الأدب الصوفي فهي البداية والنهاية والغاية القصوى لكل سلوك روحي. الصوفي لا يعبد الله خوفا أو طمعا بل حبا وشوقا ولذلك جاءت لغته مشبعة بعاطفة عارمة تتخذ من مفردات العشق والهيام والسكر والفناء أدوات للتعبير. هذا التحول في اللغة من العبادة إلى العشق منح النص الصوفي طاقة شعرية عالية وجعل القارئ يعيش التجربة لا يكتفي بتلقيها. فحين يتحدث رابعة العدوية عن حب لا يشوبه رجاء ولا خوف فإنها تؤسس لثورة روحية عميقة تجعل العلاقة مع الإله علاقة قرب لا مسافة.

الرحلة الصوفية كما يصورها الأدب ليست مسارا سهلا أو خطيا بل دروب متعرجة مليئة بالمجاهدة والشك والاختبار. يبدأ السالك باليقظة ثم التوبة ثم المجاهدة لينتقل بين مقامات وأحوال تختلف من شخص إلى آخر. هذا المسار الروحي انعكس في النصوص الصوفية التي جاءت في كثير من الأحيان على شكل مناجاة أو اعتراف أو حوار داخلي. فاللغة هنا ليست وصفا للعالم الخارجي بل أداة لاكتشاف الداخل وكشف طبقاته الخفية.

الرمز يحتل مكانة جوهرية في الأدب الصوفي لأنه الوسيلة الوحيدة للتعبير عن تجارب تتجاوز العقل والمنطق. فالخمر ترمز إلى المعرفة الإلهية والسكر إلى الفناء في المحبوب والمرأة إلى الحقيقة المطلقة والسفر إلى السلوك الروحي. هذه الرموز ليست زخرفا بل ضرورة لأن التجربة الصوفية بطبيعتها عصية على القول المباشر. ومن هنا جاء الأدب الصوفي مفتوحا على التأويل متعدد الدلالات لا يُختزل في معنى واحد.

ويبرز الشعر بوصفه الشكل الأقدر على احتضان هذه التجربة لما يتمتع به من كثافة وإيقاع وقدرة على الإيحاء. في أشعار الحلاج وابن الفارض وجلال الدين الرومي تتجسد المحبة الإلهية في أبهى صورها حيث تختلط الذات بالمطلق ويذوب العاشق في المعشوق. هذه النصوص لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب القلب وتدعوه إلى المشاركة الوجدانية في التجربة. ولذلك ظل الشعر الصوفي حيا عبر القرون يتجاوز حدود الثقافة والدين ليصل إلى الإنسان بوصفه إنسانا.

أما النثر الصوفي فقد اتخذ أشكالا متعددة من الحكم والأقوال إلى الرسائل والسير الروحية. في كتب مثل إحياء علوم الدين للغزالي أو فتوحات ابن عربي نجد لغة تجمع بين العمق الفكري والإشراق الروحي. النثر الصوفي يسعى إلى تهذيب النفس وبناء الوعي الأخلاقي لكنه لا ينفصل عن البعد الجمالي إذ تتخلله صور واستعارات تجعل النص أقرب إلى التأمل الأدبي منه إلى الوعظ المباشر.

ما يميز الأدب الصوفي أيضا أنه أدب تجربة فردية لكنها ذات أفق كوني. فالصوفي ينطلق من ذاته ليصل إلى الإنسان المطلق ولذلك نجد في هذا الأدب انفتاحا على قيم التسامح والمحبة والسلام. المحبة الإلهية في التصوف لا تنفصل عن محبة الخلق لأن الجميع مظاهر للحقيقة الواحدة. هذه الرؤية الإنسانية جعلت الأدب الصوفي قادرا على الحوار مع ثقافات أخرى وأكسبته حضورا عالميا يتجلى في الاهتمام الواسع بأعمال الرومي وابن عربي وغيرهما.

في العصر الحديث أعيد اكتشاف الأدب الصوفي بوصفه ملاذا روحيا في عالم مضطرب تحكمه المادية والسرعة. كثير من الشعراء والكتاب المعاصرين استلهموا رموزه ورؤاه للتعبير عن قلق الإنسان الحديث واغترابه. فالتصوف لم يعد مجرد تجربة دينية خاصة بل أفقا إنسانيا يبحث عن المعنى في زمن فقدت فيه القيم الروحية حضورها المركزي.

إن الأدب الصوفي في جوهره دعوة إلى الرحلة نحو الداخل وإلى إعادة اكتشاف الإنسان في أنقى حالاته. إنه أدب لا يفرض إجابات جاهزة بل يفتح أبواب السؤال ويحث على السير. وفي زمن تشتد فيه الحاجة إلى خطاب يعيد التوازن بين المادة والروح يظل الأدب الصوفي واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على ملامسة القلب وإضاءة دروب المحبة الإلهية بوصفها أسمى تجليات الوجود الإنساني.

ولتعميق النظر في الأدب الصوفي بوصفه رحلة روحية وجمالية لا بد من التوقف عند العلاقة المعقدة بين التجربة الصوفية واللغة. فالصوفي يدرك منذ البداية أن اللغة قاصرة عن احتواء ما يعيشه من حالات وجد وفناء واتحاد ولذلك يتعامل معها بوصفها أداة إشارة لا أداة تعريف. الكلمات في النص الصوفي لا تدل بقدر ما تلمّح ولا تشرح بقدر ما تفتح أفقا للذوق والمشاهدة. من هنا جاءت العبارات الصوفية محمّلة بالإيحاءات والانزياحات الدلالية التي تجعل القراءة فعلا مشاركا في التجربة لا مجرد تلقي سلبي.

هذا الوعي بحدود اللغة دفع كثيراً من المتصوفة إلى استخدام المفارقة والتناقض الظاهري مثل الجمع بين السكر والصحو أو الغياب والحضور أو الموت والحياة. هذه الثنائيات لا تعبّر عن ارتباك فكري بل عن عمق التجربة التي تتجاوز منطق العقل الثنائي. في الأدب الصوفي يصبح التناقض وسيلة لإيصال حقيقة لا يمكن القبض عليها بشكل مباشر. ولذلك كثيرا ما وُصفت نصوص الصوفية بالغموض في حين أن هذا الغموض هو انعكاس لطبيعة الموضوع لا لقصور في التعبير.

كما أن العلاقة بين الصوفي والزمن في الأدب الصوفي علاقة مختلفة عن التصور المألوف. فالزمن الخطي الذي يقوم على الماضي والحاضر والمستقبل يذوب في لحظة الكشف أو الحال حيث يتوقف الزمن وتتحقق المعاينة. هذا الإحساس بالزمن الروحي انعكس في النصوص التي جاءت غير خاضعة للتسلسل السردي التقليدي بل قائمة على الومضات واللحظات المكثفة. وكأن النص الصوفي يسعى إلى محاكاة التجربة نفسها في بنيته وشكله.

ولا يمكن إغفال البعد التربوي في الأدب الصوفي إذ لم يكن موجها للنخبة فقط بل لعب دورا في تهذيب العامة وتوجيههم نحو قيم أخلاقية وروحية سامية. الحكايات الرمزية والأمثال التي استخدمها المتصوفة مثل قصص الطير والسفر والبحث عن الكنز كانت وسيلة لتبسيط المعاني العميقة وجعلها قريبة من وجدان القارئ. وهنا تتجلى قدرة الأدب الصوفي على الجمع بين العمق والبساطة وبين الحكمة والجمال.

الأدب الصوفي أسهم أيضا في تشكيل الذائقة الجمالية العربية عبر تأثيره في الشعر والموسيقى والفنون البصرية. الإيقاع الداخلي للنصوص الصوفية واللغة المشحونة بالعاطفة أثّرا في الإنشاد والموسيقى الروحية كما ألهمت رموزه الفنون التشكيلية والزخرفية. هذا التداخل بين الأدب والفنون يعكس شمولية التجربة الصوفية التي لا تفصل بين الجمال والروح بل ترى فيهما وجهين لحقيقة واحدة.

وفي ضوء هذا كله يمكن النظر إلى الأدب الصوفي بوصفه ذاكرة روحية للأمة ومخزونا رمزيا لا ينضب. إنه أدب يذكّر الإنسان بعمقه المفقود وبقدرته على تجاوز السطح والضجيج نحو السكينة والمعنى. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتزداد فيه القطيعة مع الذات يظل الأدب الصوفي دعوة مفتوحة إلى الإصغاء للصوت الداخلي وإلى السير في دروب المحبة الإلهية لا بوصفها هروبا من العالم بل عودة أعمق إليه.

 


مشاهدات 48
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/02/23 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 18586 الكلي 14950229
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير