الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المتعلّقون بالحبال الذابلة

بواسطة azzaman

المتعلّقون بالحبال الذابلة

ثامر محمود مراد

 

في زوايا الحياة القديمة، حيث تتكدّس الذكريات مثل غبارٍ لا يراه أحد، يقف أناسٌ يمدّون أيديهم نحو حبالٍ أنهكها الزمن. حبالٌ كانت يومًا مشدودة، تحمل أحلامًا، وتربطهم بشواطئ الأمان، لكنها اليوم ذابلة، رخوة، تكاد تنقطع من ثقل ما عُلّق عليها.

المتعلّقون بالحبال الذابلة ليسوا ضعفاء كما يظنّ العابرون؛ إنهم ببساطة أولئك الذين رفضوا فكرة السقوط النهائي. يتشبثون بما تبقّى، لأنهم يعرفون أن اليد التي اعتادت الإمساك لا تجيد الفراغ. الحبل بالنسبة لهم ليس خيطًا من ليفٍ أو قماش، بل ذاكرة، وعدٌ قديم، أو وجهٌ غاب لكن صوته ما زال يتردّد في الداخل. يمضي الزمن، فيبهت اللون، وتتشقق الألياف، وتبدأ الأسئلة القاسية بالتسلل: هل ما نتمسّك به ما زال قادرًا على إنقاذنا؟ أم أننا فقط نخاف الأرض الصلبة تحت أقدامنا؟ هنا تصبح الحبال الذابلة رمزًا لكل ما انتهى لكنه لم يُعلَن موته بعد؛ علاقة لم تُدفن، حلم لم يُنسَ، أو وطنٍ نحمله في القلب أكثر مما نحمله في الواقع. الغريب أن بعضهم يعلم أن الحبل لن يصمد، ومع ذلك يواصل التعلّق. ليس عنادًا، بل وفاءً لنسخة قديمة من نفسه. فالإنسان أحيانًا لا يتشبث بالحبل، بل بالشخص الذي كانه حين كان الحبل قويًا. لذلك، فإن الذبول لا يحدث في الألياف وحدها، بل في الزمن الذي تركهم واقفين في المنتصف: لا هم قادرون على العودة، ولا يملكون الشجاعة للقفز. ومع ذلك، ثمة حكمة خفية في هذا المشهد. فالحبال الذابلة تعلّم أصحابها شيئًا لا تعلّمه الحبال الجديدة: أن القوة الحقيقية لا تكمن في ما نمسك به، بل في اللحظة التي نقرر فيها أن نتركه. ليس كل تركٍ خيانة، وليس كل تعلق وفاءً. أحيانًا يكون التحرر هو الشكل الأرقى للحب، حين نفهم أن بعض الأشياء خُلقت لتقودنا إلى الطريق، لا لتظل معنا إلى النهاية. وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقًا مثل الحبل نفسه: هل نحن أسرى ما نتمسك به، أم أنّه هو الذي يستمدّ بقاءه من خوفنا؟ ربما لا جواب واحدًا، لأن كل إنسان يحمل حبله الخاص، وذوبانه الخاص، وحكايته التي لا يراها غيره.

لكن المؤكد أن الذين يتعلّقون بالحبال الذابلة هم أكثر الناس معرفةً بمعنى الانتظار… وأكثرهم استعدادًا، يومًا ما، لفتح أيديهم نحو حياةٍ جديدة.


مشاهدات 57
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/02/18 - 4:06 PM
آخر تحديث 2026/02/19 - 10:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 403 الشهر 14863 الكلي 13946507
الوقت الآن
الخميس 2026/2/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير