نقطة ضوء
مقطع من ذكريات رمضان
محمد صاحب سلطان
دفعتني أجواء الشهر الفضيل ونحن نعيش أيامه الأول، إلى تذكر المتع التي كنا نحياها في السنوات الماضية، عائليا ومجتمعيا، برغم قساوة البعد، فيما يأخذني الأسى عليها جراء من فقدنا من الأهل والأصدقاء، وتلك هي حال الدنيا، لكن ذكرياتها باقية مثل شريط سينمائي يمر من أمامي كل فترة، كما اللحظة الآن برغم عقود الزمن التي مرت، فإن ذكرياتها لا تزال جاثمة في ناحية من نواحي هذا القلب الذي يحس بعظم الوفاء لها، فبدأت أسارير الماضي تنبسط تحت وهج الذكرى.
ما زلت أتذكر نصيحة صديق عمري (محمد) الذي تعرفت عليه منذ الصف الثالث الإبتدائي عند إنتقالنا لبغداد من العمارة، ينصحني بالتكيف والصبر على تلك الأجواء التي لم أر مثلها سابقا، (بغداد واسعة يا صديقي.. وبإمكانك أن تنسج حياتك الجديدة على نول غير نول الذين غادرتهم)،وهذا ما لم أفعله لأني حاولت ولم أستطيع!، كون الزمن يسحق الكثير ، يسحق حتى البشر أنفسهم، فلماذا نخاف من تهدم أعوامه المتسارعة؟.
على أية حال، إنتكست في داخلي الفرحة التي جئت بها، أمام فداحة ما عشته من إغتراب نفسي في أشهري الأولى، ولم أفلح بتماسك كياني الذي إهتز طويلا ولم يستقر في موضع، إلا بعد أن إنقشع ضباب الأسى الذي إحتواني جراء مفارقة الأصحاب ببلدتي النائية تلك ، ولم أنعم بالصفاء إلا مع صديقي الأول الذي شكل إنموذجا مغايرا لمن تعرفت عليهم في حينها، فظهرت بغداد على حقيقتها بعد ذلك، لاسيما عند حلول شهر رمضان المبارك، فقد شهدت في الحي الشعبي الذي نقطنه ، طقوسا من أجمل ما تكون، السلال تتناقل بين الجيران قبل موعد الأفطار مثل صحون طائرة، تتلاقفها الأيادي الفرحة بمقدم الهدية المباركة، حتى تشعر وكأن العوائل برمتها، أسرة واحدة، المساجد تبتهل ، ومدفع رمضان المطل على نهر دجلة، تطلق قذيفته التي ينتظرها الصائم والصغار الفرحين بصوته، بعدها تكبر المآذن في مشهد تخلوا فيه الشوارع من المارة ومن الحركة إلا ماندر، فأعتقدت بإن لا جائع في رمضان بغداد!، وتلك هي الحقيقة التي إكتشفتها لاحقا، هذه العذرية التي تمنحها طقوس الحنية والتكافل والتعاضد بين الناس، ما أروعها وما أعظم الإحساس المتولد منها، الأطفال بدشاديش البازة المقلمة، والشباب ورجال الحي يتناوبون الضحكات والتعليقات في طريق التوجه إلى أماكن تجمعاتهم في المقاهي التي تحتضن لعبة (المحيبس) الشعبية ، فيتوزعون على شكل فرق ، ينتظم أعدادها كلما توغل رمضان بأيامه، وعند التعرف وإكتشاف المحبس (الخاتم)، تصيبنا موجات رذاذ فرح، ترفع أجسادنا إلى الأعلى في قفزة إنتصار منتشية، والعيون مسمرة على (صواني) البقلاوة والزلابية المصنوعة بالدهن الحر ، الموضوعة وسط ساحة المباراة، بإنتظار نهاية اللعبة ومن ثم إلتهامها من قبل الفائز والخاسر والمتفرج معا! في أجواء تتخللها فواصل الغناء الشعبي البغدادي (المربعات)، ذات الإداء الراقص والغناء الجماعي لجوقة ترتدي الزي البغدادي (الصاية، والغترة على الكتف، وغطاء الرأس-العرچين-)، وإنها لسعادة ما بعدها سعادة أن يستمع المرء لصدى صوته في هذا العالم اللاهي بالبهجة والإنتعاش، وهكذا نمضي حتى وقت السحور ، المعلن عنه بدقات طبل معروفة الإيقاع، يرافقها صوت مليئ بالشجن (إصحى يا نايم.. وحد الدايم)، فتورق البيوت بسحابة فرح طاغي مع التهليل والدعاء وحتى وقت الإمساك و إقامة الصلاة، بعدها نهجع إلى النوم ولا نصحوا حتى وقت العمل ودوام المدراس، بوجوه لفحتها الشمس فدبغتها بسمرة داكنة، وبالعودة إلى الينابيع الأولى، أشعر بأنني قد إغتسلت من حزني، وها أنا اليوم أقلب صفحات الصفاء تلك بشهر كريم جديد، وكل عام وأنتم بالف خير.