الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصور التشريع العراقي القديم وعدم مواكبته للمستجدات بعد 2003

بواسطة azzaman

نظره  قانونية  حول موضوع القوانين العراقية القديمة وعدم انسجامها مع المستجدات بعد 2003 معززة بالمراجع الدستورية والأمثلة العملية:

قصور التشريع العراقي القديم وعدم مواكبته للمستجدات بعد 2003

سعد البخاتي

 

شهد العراق منذ عام 2003 تغيّرات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، فرضت ضرورة تحديث البيئة التشريعية لتتلاءم مع متطلبات الدولة الحديثة. إلا أن كثيرًا من التشريعات التي لا تزال نافذة في النظام القانوني العراقي تعود إلى مراحل زمنية سابقة – خصوصًا ما قبل 2003 – مما جعلها غير متجانسة مع مستجدات العصر، سواء على صعيد التطور الاقتصادي، أو حقوق الإنسان، أو التكنولوجيات الحديثة، أو الحريات العامة، أو إدارة الدولة.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أسباب قصور التشريعات العراقية القديمة، وإبراز المتطلبات الدستورية لتحديثها، مع تقديم أمثلة تطبيقية على ذلك.

أولًا: الإطار الدستوري

يضع الدستور العراقي (المصادق عليه في 15 أكتوبر 2005) أساسًا دستوريًا ملزمًا للتشريع الحديث، وتطوير القوانين القديمة، ويمكن تلخيص أهم المواد الدستورية ذات الصلة فيما يلي:

1. المادة 2: السيادة الدستورية

تنص على:

العراق دولة ذات سيادة…”

وتؤكد أن السيادة للقانون وأن التشريعات يجب أن تكون متسقة مع ثوابت الدولة، لا مع أنظمة سابقة غير دستورية.

2. المادة 13: المساواة أمام القانون

تنص على:

يُضمن لكل فرد المساواة أمام القانون…”

وهذا يتطلب أن تكون القوانين متوازنة وغير تمييزية، مما يستدعي تحديث التشريعات القديمة التي قد تتضمن معايير غير متسقة مع مبدأ المساواة.

3. المادة 19: حظر التمييز

تنص على:

التمييز ممنوع…”

وتحظر كل تمييز على أساس الجنس، أو العقيدة، أو المذهب، أو غيرها، ما يلزم إعادة نظر في نصوص قديمة تتضمن أحكامًا تمييزية.

4. المادة 38: حرية التعبير

تنص على:

حرية التعبير مطلقة…”

وهذا يستلزم أن تتناغم التشريعات الجزائية (مثل قوانين الصحافة والنشر) مع هذا الحق، لا تقيّده بمواد عقابية ترجع إلى سياقات قديمة.

5. المادة 104: ولاية التشريع

تعطي صلاحية وضع التشريعات للسلطة التشريعية الجديدة (مجلس النواب) وفق الدستور بعد 2005، مما يلزم إلغاء أو تحديث القوانين القديمة التي لم تُعدَّل وفق هذا الإطار.

ثانيًا: أسباب قصور التشريعات القديمة

يمكن حصر الأسباب في العناصر التالية:

1. عدم مواكبة التطور التكنولوجي

القوانين النافذة قبل 2003 لم تكن مصممة لمواكبة ثورة التكنولوجيا الرقمية، والجرائم الإلكترونية، وحماية البيانات، مما أحدث فراغًا تشريعيًا واسعًا في تنظيم هذه المجالات.

مثال تطبيقي: الجرائم الإلكترونية

في غياب قانون حديث للجرائم الإلكترونية، يتم الخلط بين القواعد الجنائية القديمة التي لا تتناول مصطلحات مثل:

حماية البيانات الشخصية

الجرائم السيبرانية العابرة للحدود

المحتوى الرقمي

مما يعرّض الإجراءات القانونية للتأخير أو عدم الحسم.

2. تقييد الحقوق والحريات العامة

بعض القوانين القديمة – كـ قانون الصحافة والنشر رقم 111 لسنة 1969 – تتضمن مواداً جنائية تعاقب بنصوص جامدة دون مراعاة حرية التعبير والديمقراطية التي نص عليها الدستور.

مثال تطبيقي: الصحافة

مواد كانوا تجيز سجن الصحفيين أو فرض غرامات ضخمة لمواءمة توجهات سياسية معينة، بينما الدستور العراقي يضمن حرية التعبير ويحظر سجن الصحفي إلا بالأحكام القانونية الواجبة.

3. غياب التشريع التنظيمي الحديث

قوانين عديدة تنظم قطاعات استراتيجية تم سنّها في حقبة التخطيط المركزي (مثال: الزراعة، الصناعة القديمة)، دون تعزيزها بقوانين تتناسب مع الاقتصاد الحر والسوق المعاصر.

ثالثًا: المفاهيم القانونية الحديثة غير المنسجمة مع القوانين القديمة

1. الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد

الدستور العراقي (المواد 100 و102) والتزامات العراق الدولية تستلزم تشريعات معاصرة في مكافحة الفساد والشفافية. لكن بقية القوانين المتعلقة بالجرائم المالية والوظيفية لم تكن مواكبة بما يكفي لتطبيق معايير دولية.

2. حقوق المرأة والأسرة

تحمي المادة 14 من الدستور حقوق المرأة وتمنع التمييز، غير أن القوانين القديمة المتعلقة بالأحوال الشخصية عالجت قضايا الزواج والطلاق بطرق قد تتعارض مع مبادئ المساواة الحديثة.

رابعًا: آثار استمرار سريان القوانين القديمة

استمرار نفاذ التشريعات القديمة دون تحديث يؤدي إلى:

فراغ تشريعي في تنظيم قضايا حديثة.

تناقضات قانونية بين الدستور والنصوص القانونية القديمة، مما يعيق العدالة القضائية.

ضعف جذب الاستثمار بسبب عدم وضوح الضمانات القانونية.

إرباك في التطبيق العملي من قبل الجهات القضائية والإدارية.

خامسًا: توصيات قانونية

استنادًا إلى الدستور والممارسات القانونية المقارنة، يمكن تقديم التوصيات التالية:

1. تحديث شامل لقوانين الحريات العامة

مثل قانون الإعلام، قانون الاجتماعات العامة، وغيرها بما يتسق مع الدستور.

2. سن تشريعات حديثة للجرائم الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية

مع تكييف العقوبات والإجراءات بما يتناسب ومتطلبات العصر.

3. مراجعة قانون العقوبات وأحكام الجزاء

لتكون متسقة مع الحقوق الأساسية والمبادئ القانونية العامة.

4. تطوير قوانين مكافحة الفساد والشفافية

لتتماشى مع التصدي الدولي للجرائم المالية.

خاتمة

يبقى تحديث المنظومة القانونية العراقية ضرورة دستورية وطنية تتطلب تشريعات عصرية تواكب تطورات العصر وتضمن حماية الحقوق والحريات، وتدعم بناء دولة القانون والمؤسسات. ويؤسس الدستور العراقي لذلك الأساس، مما يستدعي إرادة تشريعية وسياسية قوية لإجراء الإصلاحات التشريعية المطلوبة.المستشار القانوني د٠سعد البخاتي


مشاهدات 85
الكاتب سعد البخاتي
أضيف 2026/02/16 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 12856 الكلي 13944500
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير