الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشاوي بين فلسفة الضوء وهندسة الإيمان.. معرض العِمارة الإسلامية رحلة بصرية توثيقية رصينة

بواسطة azzaman

الشاوي بين فلسفة الضوء وهندسة الإيمان.. معرض العِمارة الإسلامية رحلة بصرية توثيقية رصينة

 

بغداد - علي الدليمي

تحت ظلال القباب التي تحكي قصص الحضارة، احتضنت الجمعية العراقية للتصوير – المركز العام في بغداد، المعرض الشخصي الثالث للفنان مهند الشاوي، والذي حمل عنوان: (العمارة الإسلامية.. جمال بصري ومتعة روحية).

المعرض ليس مجرد عرض لصور فوتوغرافية، بل هو رحلة بصرية توثيقية رصينة ضمت عشرين لوحة اختزلت فلسفة البناء في التاريخ الإسلامي.

في معرضه الجديد، لا يكتفي الشاوي بدور «المصور الناقل»، بل يتقمص دور «المؤرخ الجمالي». فالعشرون صورة التي زينت جدران القاعة لم تكن مجرد توثيق لمعالم معمارية داخل العراق وخارجه، بل كانت محاولة جادة لاصطياد «اللحظة الروحية» الكامنة في الحجر والزخرفة.

ويمكن تلخيص الرؤية النقدية للمعرض بثنائية الضوء والظل، حيث نجح الشاوي في استغلال الإضاءة الطبيعية لإبراز الملامح الملمسية للمآذن والقباب، مما خلق تبايناً درامياً يمنح المشاهد شعوراً بالهيبة والخشوع.

كما اعتمد الشاوي في التكوين الهندسي في العدسة على زوايا غير تقليدية، حيث تلاعبت بالمنظور لإظهار التناظر والوحدة في الزخرفة الإسلامية، وهو ما يعكس دقة «المهندس» وعين «الفنان» في آن واحد.

ومن خلال التنقل بين المعالم العراقية والعالمية، هذا الامتداد الجغرافي استطاع في المعرض أن يثبت وحدة «الهوية البصرية» للعمارة الإسلامية رغم اختلاف الجغرافيا، مما منح المعرض بعداً عالمياً يتجاوز التوثيق المحلي.

ولا ننسى المتعة الروحية، التي لم يأت العنوان من فراغ، فالصور تدعو المشاهد للتأمل الصامت، حيث تتحول الأقواس والمنحنيات إلى لغة بصرية تخاطب الوجدان قبل العين.

لقد أثبت الشاوي في هذا المحفل أن الفوتوغراف ليس مجرد ضغطة زر، بل هو موقف فكري وجمالي يعيد صياغة علاقتنا بالمكان والتراث.

فلسفة العمارة

المعرض، تجربة بصرية غنية تختزل فلسفة العمارة الإسلامية، حيث لا يتوقف دور الصورة عند التوثيق المكاني، بل يتعداه لتقديم «قراءة روحية» تعتمد على التجريد، التناظر، واللا نهائية.

ويستخدم الشاوي زوايا تصوير عمودية في أغلب لقطاته، هذا الاختيار ليس عشوائياً، بل يهدف إلى تجسيد السمو، دفع عين المشاهد للأعلى، وهو ما يحاكي الغرض الأصلي من عمارة المساجد أي ربط الأرض بالسماء. وإبراز «المقرنصات»، إذ تظهر براعة فائقة في رصد المقرنصات التي تبدو وكأنها خلايا نحل كونية، حيث يتلاعب الضوء والظل على الأسطح الهندسية ليخلق إحساساً بالعمق والتعقيد الذي يبعث على التأمل.

ولغة اللون، في ثنائية الأرض والسماء حيث يهيمن اللونان الأزرق الفيروزي والذهبي/ الأصفر على مجمل المعرض، والأزرق هنا يمثل الجانب الروحاني، الصفاء، واللا نهائية (لون السماء والماء). أما اللون الذهبي والآجري فانهما يمثلان الجانب الترابي أو الأرضي، والدفء الإنساني.

هذا التباين اللوني يخلق «متعة بصرية» متزنة تريح العين وتجذبها لاستكشاف التفاصيل الدقيقة داخل الزخارف النباتية والهندسية.كما ينتقل الشاوي من التجريد السقفي إلى المنظور الخطي، ويظهر الممر الطويل بأعمدته المتكررة كرمز للاستمرارية والخلود. واستخدام الضوء الطبيعي المتسلل من الجوانب يمنح الصورة «حياة»، ويحول العمارة الصامتة إلى فضاء حيوي يشعر المشاهد وكأنه يسير فيه فعلياً.

وتظهر صور دمج الخط العربي بالعمارة. هنا، لا تُقرأ الكلمات كفعل لغوي فقط، بل كجزء من التشكيل البصري. الخطوط المنسابة حول القباب أو فوق المداخل التي تظهر هيكلاً حديثاً بروح تراثية تؤكد على هوية المكان وترسخ «المتعة الروحية» من خلال استحضار النصوص المقدسة.

أجاد الشاوي في استغلال «الضوء» ليس فقط للإضاءة، بل كأداة لرسم الظلال. حيث نجد أن الضوء يبرز ملمس الآجر وتدرجاته، مما يضفي طابعاً درامياً وخشوعاً على المشهد، وهو ما يعزز مفهوم «الجمال الروحي» المقصود في عنوان المعرض.

عدسة مهند الشاوي لم تنقل العمارة ككتل صماء، بل ككيان نابض بالجمال. لقد نجح في تحويل الهندسة الرياضية (الدوائر، المربعات، والمثلثات) إلى قصيدة بصرية، حيث يتداخل الفن مع الإيمان، والضوء مع اللون، ليخرج المشاهد بحالة من السكينة والدهشة البصرية.

 

 


مشاهدات 48
أضيف 2026/02/11 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/02/12 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 8769 الكلي 13940413
الوقت الآن
الخميس 2026/2/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير